الجيش التونسي وترويض الاحتجاجات

14 مايو 2017
الصورة

جنود تونسيون في ساحة الحبيب بورقيبة في العاصمة (8/3/2017/الأناضول)

أقدم الرئيس التونسي، الباجي السبسي، في خطابه يوم 10 مايو/ أيار الجاري، على اتخاد قرارٍ يقتضي بتكليف الجيش التونسي بحماية مواقع الإنتاج، على خلفية "اعتصام الكامور" في أقصى الجنوب التونسي، تحديدا في محافظة تطاوين التي تتوزع فيها آبار البترول القليلة أصلا في بلادٍ مواردها الطبيعية شحيحة، مقارنة بجارتيها، ليبيا والجزائر. احتج شباب هذه المنطقة على البطالة وتردّي مؤشرات التنمية والاستثمار، ولا مجيب، فحتى زيارة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، لهم كانت فاشلة، بل إن أغلبهم قاطعوها، ما عجّل بعودته إلى العاصمة، خائبا بعد أن تعطلت لغة الحوار معهم. عمد الشباب آنذاك إلى التحول إلى منطقة الكامور، وحاصروا مدخل المنطقة البترولية، ما هدّد بتعطل الإنتاج وسط تردّد الطبقة السياسية في مساندة هذه الخطوة، على الرغم من أن جلهم اصطفوا وراء هؤلاء الشباب لسلمية تحركاتهم الأولى. 
بعد هذه الزيارة الفاشلة، وتحرّك الشباب إلى منطقة الكامور، عُقد مجلس الأمن القومي، ولم تتسرّب من قراراته أشياء ذات بال، وربما كان القرار الذي أعلنه رئيس الجمهورية قد تم اتخاذه آنذاك. لا شك أن هذا الأمر يعد غريبا في بلدٍ ظل فيه الجيش في الثكنات، وهو تقليدٌ زرعه الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، وربما أضاف إلى مهمة الدفاع عن الوطن التي نص عليها الدستور المساهمة في التنمية. لذلك زرع الجيش الواحات وشيد السدود، ولم ينخرط في مهام تتعلق بحفظ النظام، سوى في حالاتٍ نادرة، ربما كان وقعها مؤلماً على غرار تدخله في أحداث الخبز التي شهدتها البلاد ذات يناير/ كانون الثاني 1984، حيث أدت المصادمات معه إلى سقوط مئات المواطنين.
باستثناء هذه الحالات النادرة، ظل الجيش التونسي على حياده، ولم يقترب من مناطق
الصراعات السياسية- المدنية التي شهدتها الحياة السياسية منذ عقود. ولعلنا نتذكّر سلوك الجيش تجاه الثائرين ذات شتاء من سنة 2010، حينما اختار، لأسباب عديدة منها ما زال غامضا، أن يقف موقف الحياد الإيجابي تجاه الثائرين، وهم يتصدّون لقوات الأمن بصدور عارية في سيدي بوزيد والقصرين وغيرهما من المدن. فضل الجيش أن يحمي مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، على غرار المباني الحكومية والمقرات السيادية والسدود، بل إنه حمى التونسيين من بطش رصاص قوات الأمن، ولم تسجل إلا حوادث نادرة راح ضحيتها موطنون برصاص الجيش الذي تحتفظ الذاكرة بعديد من صور بطولته ونبله، فلولا سلوكه هذا لاتخذت الثورة منحىً آخر، على غرار ما حدث في بلدان مجاورة، وربما شكل الجيش التونسي بذلك بعض الاستثناء التونسي. وما زال الناس يحتفظون بدور الجيش، وهو يحمي امتحانات الباكالوريا وصناديق الاقتراع.. إلخ، وقد زهد الجيش في التمسك بالسلطة مراتٍ عديدة، والسلطة توشك على الانهيار، خصوصا لما اندلعت موجات العنف على أثر الاغتيالات التي عرفتها البلاد. وقد قال رئيس أركان القوات المسلحة آنذاك، الجنرال رشيد عمار "عديدة المرات التي وجدنا فيها السلطة ملقاة على قارعة الطريق، ولم نرغب فيها".
عرفت تونس، خلال السنوات السبع الفارطة، على خلاف ما كنا نتوقع، تعاظم الحركات الاحتجاجية، حتى شلت قطاعات كثيرة، وتصدّت، في أحيان عديدة، قوات الأمن الداخلي، من شرطة وحرس وطني (الدرك) للمتظاهرين، وسجلت أحيانا خسائر في المعدات والأرواح طاولت الفريقين. وعلى الرغم من ذلك، نأى الجيش بنفسه عن اقتحام هذه الفضاءات، فدستور البلاد الجديد ينص على مهمةٍ واضحةٍ للجيش، وهي واجب الدفاع عن الوطن، في حين تظل مهمة حفظ النظام والأمن من مهام القوات الأمنية وحدها. لذلك عارضت عدة أحزاب ومنظمات مدنية وجمعيات قرار الرئيس أخيرا، واعتبرته اختراقا للدستور، بل إنه مغامرة غير محسوبة العواقب، تزجّ مؤسسة الجيش في صراعاتٍ مدنيةٍ سياسيةٍ اجتماعيةٍ في ظل عجز الدولة والحكومات المتعاقبة على حل المشكلات، حتى مجرّد التفاوض مع المحتجّين.
يخشى عديدون أن يكون هذا القرار استدراجاً للجيش التونسي إلى مربع العنف، وهو الذي ظل
في منأى عن هذا المربع، ودفعه إلى الاحتكاك بالمحتجين، ما سيفقده صورته المثالية الذي ظل يفتخر بها الموطنون قبل الجيش ذاته. وقد قال الناطق الرسمي السابق باسم الجيش، العقيد المتقاعد مختار نصر: "ليس للجيش قنابل مسيلة للدموع للتعامل مع المحتجين، إنما لديه رصاص". وكان هذا تصريحاً غير صائب بكل المقاييس، حتى ولو كانت نيته حسنة، فهو تخويف لناسٍ بجيشٍ كانوا يعتقدون أنه يحميهم. لا ندري إن كان القرار قد اتخذ في الوقت المناسب، خصوصا أن الجيش لم يمتلك المهارات والمعارف التي تجعله يتحكّم في التعامل مع تلك الاحتجاجات، وهو الذي لم يتكون فيها أصلاً، لكونها ليست من مهامه أو مشمولاته. لذلك، على قادة الحركات الاحتجاجية، خصوصا في الكامور (المنطقة النفطية في الجنوب) مسؤولية جسيمة للحفاظ على سلمية التحركات، وتجنب الاحتكاك مع الجيش، درءا للانزلاقات االخطيرة، كما أن قادة المجتمع المدني مطالبون باليقظة وحسن التوسط لتجنب الانحرافات الممكنة التي قد تدفع عناصر مغامرة إلى التحرّش بالجيش، ودفعه إلى ارتكاب أفعال غير محمودة، لا قدّر الله.
ستمرّ تونس باختباراتٍ قاسية في الأشهر القليلة المقبلة، هي على عتبة انتخاباتٍ بلدية، قد تمنح المشهد السياسي ألواناً تزن الأحزاب وزنها الحقيقي، ولكنها لن تغير من معاش الناس الشيء الكثير، وهو ما يرجّح تواصل الاحتجاجات سنوات عديدة، ما دام خزان البطالة والفوارق الجهوية ما زال يتراكم في حركةٍ عكسيةٍ مع تحسّن المناخ السياسي العام.