الجولاني وأوهام الهويات الآنية

الجولاني وأوهام الهويات الآنية

31 مايو 2015
الصورة

الجولاني متخفيا يتحدث ل "الجزيرة"

+ الخط -
انتظرَ سوريون كثيرون أميرَ جبهةِ النصرة، أبو محمد الجولاني، على قناة الجزيرة في مقابلةٍ حصريّةٍ، وحتى إنَّ النظامَ كسرَ الموعدَ الدوري لقطع الكهرباء عن الساحل السوري كاملاً، وهو مجدٌ لا يحصلُ عليه السوريّون، إلا إنْ خرجَ الأسدُ في مقابلةٍ تلفزيونيّة، أو صعد إلى منبرٍ ما لإلقاءِ خطابٍ أو ما شابهَ. ويُكرِّس النظامُ بهذه الحركة قرينَه الآخر. وكأنهُ يراد من السوريين أن يرْوا في الجولاني الرئيسَ الآخرَ للبلاد، وأن يجروا المقارنات. 

يحقُّ للجولاني ساعةَ كهرباء كاملةً مثل الأسد، ويحقُّ له طرحُ ما يُريدُ، وعلى شاشةٍ أكبرَ وأكثرَ اتساعاً، هي "الجزيرة". بالمعنى، يبدو أن اتفاق النظام السوري مع الجولاني واضح، في تثبيت معنى متخيَّل، يفترضُه النظامُ السوريُّ والجولاني، في آنٍ واحد، على أن خيارات الشعبِ السوري محدَّدة، فشعارُ النظام "الأسد أو لا أحد". وبالتالي، كُل من يسكنُ ويعتاشُ تحت حكمِه سيكونُ أسدياًّ وتابعاً للأسد بالمطلق. والجولاني يُتحِفنا بما يُتحِفنا به النظام كتقانةِ للعيش، ويقول: "السوريّون يرحِّبون بنا، ويحبّون جبهة النصرة وتنظيم القاعدة"، ويُضيف "الناس يُريدون حُكم الشريعة، ويؤيّدون الأحكام الشرعية كافة، ولا يُريدون غيرها".
.يُساغ لحمَلة السلاحَ في سورية تبنّي هويّة السوريين، والحديثَ باسمها، ويُصبح المُسلِّح بشكل سريع نافياً لآخريَّة الآخر، فلا يعتبِر حامِلُ السلاحِ غيرَهُ موجوداً، ولا يظنُّ حتى بوجودِه. فيطغى الكلامُ الرغبَوي والمفتَرض، ويتشكّل معنى للهويّة السوريّة الجمعية برأي الجماعة المُسلَّحة، ويُمنَع منذ تشكُّلِه في ذهنِهم وتشكيلِهم الإيديولوجي التفكيرُ بسواه. تتشابَه محاولاتُ تكريس الهويّةِ ما بين التفكيرِ السلطوي الأسدي وتفكير الجولاني، وبتقنيّة مُتشابهة في طرحِها على المجتَمعِ السوري.
فُيختزل الزمن، والبُعد التاريخي الثقافي لتشكّلَ الهويةُ السوريّةُ المديدةُ بمعنى إسلامي متشدِّد مع تنظيمِ القاعدة، وضدَّ العالم بأسرهِ، أو بهويةٍ أسديّةٍ شيعيّة العمقِ إباديّة المظهر. في هذا الانغلاق اللاهوتي، يتمُّ إظهارُ السوريّين بأقسى مظهر، وبمظهرٍ أحاديٍّ يُحوِّل الزمنَ الانتصاريَّ للمسلَّح إلى هويّةٍ رائجةٍ، يتبنّاها السوريّون بكلّ يُسْرٍ وسهولةٍ، من دون انتخابِهم أو مساءلتِهم عن آرائهم. الهويّةُ الانتصارية التي تسود آنية، ولا تُشكِّلُ هويّةً ثابتة، لها بُعد مستقبليٌّ إلا في ذهنِ المنتصرِ.

حينما يقولُ الجولاني إن السوريّين يحبّون تنظيم القاعدة، فهو يحاولُ الخلط بين صفة المُحرِّر من النظام وصفاتِ الهويّة السوريّة المستقبليّة والحتميّة. فمن يؤيّدُ القاعدة اليوم في سورية يؤيِّد انتصارَها الداخلي، البُعد الزمني حاضرٌ بالمطلق. ففي أجواءٍ أخرى، لن يتورَّط السوري بالبداهَة في تأييد مشروع القاعدة. فبعيداً عن الصفة المذهبيّة مثلاً، أو الطائفيّة بالمعنى الأدقِّ، والتي تجعلُ السوري حالياً يؤيِّد بُعداً مذهبياً مقاتلاً، فهناك خيوطٌ أكثر عمقاً وغرابةً عن هويةِ هذا المجتمعِ، المُكرَّسة والمديدة، تجعله منفصِلاً عن أي مشروع للقاعدة مثل موقفِه المعتدل من الدين. يُمكنُ اعتبارُ صفةَ الاعتدال تشملُ المقاربةَ الواقعية للحياة، وتقبُّل مفهومِ الدولةِ الحديثة بإيجابية عالية، لا بل الإحساسِ بها، وبمدى أهميَّتِها احتياجاً أساسياً لدولة حديثة. في النزعة الآنيَّة الشغفةِ الانتصاريّة، يبدو السوري مؤيِّداً لأي انتصارٍ تُحرزُه القاعدة، وسيكونُ شاكراً لأي لقمةٍ خبز تأتيه بها، لكنَّ هذا لا يحسِمُ هويتَه، لا في الماضي ولا الحاضر والمستقبل.
الهويةُ واختيارُها فعل صراعي، فيه الكامن والمرغوب بهِ وفيه الحُلم، الرغبة والثمن. والسُرعة في حسمِ الهويةِ فخٌّ، ومحاولةُ الدفعِ الدائمةِ لشكلِ الهويةِ السوريةِ ورطةٌ، فأي تكريسٍ لهويَّة الشعب حالياً سيُثبتُ العكس، لأسبابٍ عدة، منها عدمُ ارتياحِ السوري خلال مقتنياتِه البسيطة، ابتداءً من البيت، وصولاً إلى المدرسة والمَعمل والمستشفى، والأهمّ وجودِه الحياتي. ما يجعل مُركبُ هويته حالياً بسيطٌاً واتِّباعياً لا إرادةَ فيه، فيتبعُ النصرةَ وأخواتها، وأيَّ فصيلٍ مهما كانت هندستُه الشكلانيّة فقط ليتخلص من النظام. ولا يُمانعُ حينَها من أن يكونَ الشعارُ قاعدياً أو جولانياً.
يتسرَّع الجولاني، أو غيرُه، في حسمِ هويةِ السوريّين واختياراتهم. الجوهرُ في الهوية والانتماء بطيءُ التشكِّل، لكنَّ ملامحَه الأساسيَّة لن تكونَ كما يُريدُ صاحب السلاح، ولا حتى المُقاول الخارجي. المجتمعُ السوري يُخبئ خياراً جوهرياً لزمنٍ أفضل، وكُل ما يجري تحتَ حكمِ السلاحِ والحربِ ليس سوى رجاء في الخلاص. الهويةُ والاختيار يفترضان توقُّفَ الحرب، سقوطَ الأسد، عودةَ دورةِ الحياةِ وتنظيمِ المجتمع بما يخدمُ يومياتِه العاديّة. حينَها، قد يتمُ، وعلى نارٍ هادئةٍ، تحديدُ خيارِ السوريّين.