الجنون كما رآه العرب

الجنون كما رآه العرب

10 نوفمبر 2014
الصورة
الجنون والعمالة تهمة جاهزة لشيطنة المعارضين (أشرف الشاذلي/فرانس برس)
+ الخط -
أدوات بقاء الأنظمة العربية عديدة وإبداعية في مستوى شرّها، لكنها جميعها تصب في نهاية المطاف، تحت عنوان رئيسي: نزع الإنسانية عن العدو أو الخصم، أكان فرداً أو مجموعة سياسية، وهو ما يتيح سحقه كالبهائم. ولنزع الإنسانية أوجه مختلفة أيضاً، من أشهرها تحويل كل "آخر" سياسي إلى معتوه أو مجنون أو مختل عقلياً، وما علينا نحن المواطنون سوى الثقة العمياء بشهادة الطب النفسي لحكّامنا.

كاد المواطن العربي ينسى هذه الموهبة لدى الطغاة العرب، لولا أن أتت حادثة اقتحام مسلّح بالسيف، القصر الرئاسي في الخرطوم قبل يومين، لتصدر في غضون دقائق، بيانات الرئاسة، لتطمئن العِباد إلى أن "المهاجم قد يكون مختلاً عقلياً" و"حالته غير طبيعية"، بالتالي، وبطبيعة الحال، "لا دوافع سياسية للهجوم".

نزع السويّة العقلية والعصبية عن الأفراد الذين يفكرون بالتخلص من الحاكم العربي عموماً، يوازيه نزع سويتهم الوطنية حين يتعلق الأمر بالمجموعات السياسية المنظمة، وهو ما حصل، للمفارقة في السودان أيضاً (يا للصدفة)، قبل أيام، عندما "كشف" الرئيس عمر البشير عن مؤامرة إسرائيلية في دعم خصومه للانقلاب عليه، منهم زعيم حزب الأمة الصادق المهدي.

في المثالَين المذكورَين، يصبح الآخر المختلف واحداً: شارداً عن القطيع. فمن ذا الذي سيسأل كيف مات "مجنون" تحت التعذيب مثلاً؟ هو مجرد معتوه في النهاية. ومَن هو المعتوه أيضاً الذي سيحاول التدقيق بتهمة العمالة لإسرائيل أو لأي خارج متآمر ويسأل عن إبادة جماعية ارتُكبَت تحت عنوان مكافحة العملاء؟ فقاعدة ناقل الكفر هو كافر سيكون بالإمكان توسيع نطاقها لتصبح المدافع عن المعتوه هو معتوه، والمدقق في تهمة العمالة ليس سوى عميل.

للأمانة، شيطنة الآخر ليست اكتشافاً ولا اختراعاً عربيَّين، بل اقتباس مسخ لأحد إنتاجات الفاشية، بوجهيها السوفييتي والهتلري. حتى في محاولات إبداعات الشرّ، يبدو حكامنا مجرّد مقلّدين لا يجيدون سوى استيراد أسوأ ما أنتجه الغرب من قيَم. لكن المأساة تتكشف في واقع أن مجتمعاتنا تبدو كـ "أم الصبي" في التعامل مع كل "مختلِف" على أنه غير طبيعي، وهو ما استغلّه حكامنا باكراً.

المساهمون