الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى: أبطال بلا مجد

الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى: أبطال بلا مجد

11 نوفمبر 2018
الصورة
قاتل الجنود المغاربة في معركة لامارن (Getty)
+ الخط -

بحلول اليوم الأحد، يكون قد مرّ قرن كامل على نهاية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، التي وصفها الكثيرون حينها بأنها "الحرب التي ستنهي جميع الحروب". وخلالها تم حشد أكثر من 70 مليون جندي، 60 مليونا منهم أوروبيون، والملايين الـ10 الباقين من جنسيات أخرى، كان من بينهم آلاف العساكر المغاربة. وشكّل الجنود المغاربة ما يشبه "خزاناً" كبيراً لقاعدة الجيش الفرنسي، فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى رسمياً في صيف 1914، حشد الحاكم العام الفرنسي بالمغرب، الجنرال هوبير ليوتي،، آلاف الجنود المغاربة للمشاركة في الحرب، وقال حينها جملته المعروفة "مصير المغرب سيُحسم في اللورين" وكان المغرب ساعتها تحت "الحماية الفرنسية"

في أغسطس/آب من عام 1914 توجهت أول فرقة عسكرية من الرماة المغاربة إلى فرنسا، مكونة من 4500 جندي للاندماج ضمن فرقة المشاة المجندين من المستعمرات، قبل أن تضاف إليهم أفواج أخرى من الجنود المغاربة، فوصل عددهم وفق بعض المصادر إلى 40 أو 45 ألف جندي.

ووصف الكثير من المحللين، الجنود المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى بأنهم "أبطال لكن بلا مجد"، باعتبار أنهم عرفوا ببسالتهم وشجاعتهم في خوض المعارك تحت الراية الفرنسية، غير أنهم لم يجدوا الثناء والاعتبار الذي يناسب ما قدموه من تضحيات ودماء غالية.

وكشفت مصادر تاريخية متطابقة أن "الخسائر الإجمالية للقوات المغربية في الأراضي الفرنسية، عند الإعلان عن نهاية الحرب العالمية الأولى، وصلت إلى زهاء 12 ألفا من القتلى والجرحى والمفقودين، وهو عدد أكبر من الخسائر التي تم تسجيلها وسط الجنود الفرنسيين".

من جهته، كشف المؤرخ إبراهيم القادري بوتشيش، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "مشاركة الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب القوات الفرنسية، تعد من أهم المحطات البارزة في التاريخ المشترك بين المغرب وفرنسا". وذكر أن "الوثائق التاريخية الموجودة في الأرشيف الفرنسي، تشير إلى كثرة عدد هؤلاء الجنود المغاربة المشاركين في هذه الحرب المدمّرة، وبلغ عددهم 45 ألف جندي، أظهروا قدراً كبيراً من الشجاعة في كل المعارك، خصوصاً معركة لامارن في 5 سبتمبر/أيلول 1914، وهجمات أرتوا وشامبان، ومعركة فردان، وغيرها من المعارك التي أسفرت عن تحرير التراب الفرنسي".

واسترسل المؤرخ "كلفت هذه التضحية خسارة كبيرة للجنود المغاربة الذين كان يرمى بهم في الصفوف الأمامية لتلقي الضربات الأولى، ما يربو عن 12 ألف شهيد"، مضيفاً أنه "رغم هذه التضحيات الجسام، فإن الجنود المغاربة ظلوا منسيين ومهملين في التاريخ، إذ لا نجد لهم صدى واسعاً في الكتابة التاريخية الفرنسية، مع بعض الاستثناءات المنصفة".



وأضاف بوتشيش أن "هؤلاء الجنود المغاربة لم يخلفوا كتابات تبرز دورهم، لأنهم كانوا أميين، ولم يجر الاحتفاظ برواياتهم الشفهية، لذلك فإن معظم ما نعرف عنهم، تمّ تخزينه في الذاكرة الفرنسية من خلال الأرشيف العسكري، مع ما فيها من تعسف أحياناً، إذ رغم وصفهم بالبسالة، فقد كان الفرنسيون ينظرون إليهم في بعض المراسلات كصنف من المحاربين غير الموثوق فيهم، لأنهم فوضويون وأصحاب سطو ونهب جبلوا عليه في المغرب".

ولفت المؤرخ ذاته إلى أن "أسلوب تعامل السلطات الفرنسية مع الجنود المغاربة، يستلزم الوقوف عند بعض المخلفات التي تشكل ملفات شائكة في الذاكرة التاريخية المشتركة، أولها عدم تقديم فرنسا تعويضات مادية على أضرار الحروب، لا للمشاركين فيها، ولا لأبنائهم أو حفدتهم الذين لا يزالون على قيد الحياة".

الملف الثاني، وفق بوتشيش، هو "عدم التعويض أو حتى الاعتذار عن الإهانة والحط من الكرامة الإنسانية لهؤلاء الجنود المغاربة، فقد أظهرهم فيلم سينمائي فرنسي عرض سنة 1918، وهم يتسابقون على التقاط قطع من الحلوى التي رمتها إليهم زوجة المقيم العام الفرنسي الجنرال ليوتي على الأرض، وهي تتفرج عليهم بكثير من الاستعلاء، مما يعتبر استفزازاً لمشاعر المغاربة".

وزاد المتحدث ملفا ثالثاً لا يزال يثير الامتعاض، هو "تعرض قبور بعض الجنود الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى أو الثانية للتدنيس من طرف بعض من قيل إنهم نازيون، ومع ذلك لم يجد هذا العمل المشين أي رد فعل أو إنصاف لصالح من سالت دماؤهم مع إخوتهم الفرنسيين".

وتابع بوتشيش قائلاً إنه "حتى الذين لم يلقوا حتفهم في أتون المعارك، وأصيبوا بجروح جسدية، لم يتمّ تعويضهم أو التكلف بتغطيتهم الصحية في ذلك الوقت، بل أنهوا حياتهم متصارعين مع جروحهم وأمراضهم من دون تعويض عن أضرار الحرب العالمية الأولى".



ولفت إلى نقطة رابعة: "على الرغم من ظروف الحرب المهولة من جوع وخوف وبرد قارس، فإن الجمعيات الحقوقية في فرنسا أهملت هذا الملف المتعلق بالجنود المغاربة، بما في ذلك جمعية قدماء المحاربين المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي التي لم تقدم أو تؤخر قيد أنملة في هذا الملف".

واستطرد المؤرخ بأنه "تمّ تجنيد هؤلاء المغاربة قسراً من قبل سلطة الإقامة الفرنسية في المغرب، وأُلقي بهم في هذه الحرب التي لم يكونوا يعرفون عنها ولا عن أهدافها أي شيء. وهو سلوك يمكن وصفه بالاختطاف القسري الذي يجب طلب الاعتذار عنه، والتعويض عن الأضرار النفسية التي تتمخض عنه".

وخلص بوتشيش إلى القول إنه "من الناحية العلمية والأكاديمية، قد يكون هذا الحدث التاريخي وهو مشاركة الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب فرنسا، مدعاة لطلب نقل ذاكرة هؤلاء الجنود المغاربة إلى الأرشيف المغربي، باعتباره ذاكرة وطنية خُزّنت في الخارج".

من جهته، استحضر الخبير محمد عصام لعروسي، موضوع مشاركة الجنود المغاربة في الحرب العالمية الأولى، وقال لـ"العربي الجديد"، إنها "تعبير صارخ عن المرحلة الاستعمارية التي أرخت بظلالها على مستقبل دول الجنوب في مقاومتها للاستعمار وفي مقدمتها المغرب". وأفاد لعروسي بأن "هذه الحرب العالمية الأولى هي من المراحل التاريخية التي لا تتوفر فيها الكثير من المراجع والشهادات والوثائق، التي تكشف عن التوظيف السيئ للجنود المغاربة في حرب ومعارك دموية لا تعنيهم بالدرجة الأولى".

وشرح "يتعلق الأمر باستغلال فرنسا لمستعمراتها في مواجهة النازية، ما ساهم في صناعة واقع دولي جديد بعد الانتصار على ألمانيا، وكان مدخلاً حقيقياً لمساومة المغرب وجعل أبنائه المقاتلين في صفوف فرنسا عرضة للقتل، إذ عمد الفرنسيون على إشراكهم في الصفوف الأولى والسكوت على هذه الجرائم".

وتابع الخبير بأنه "من الناحية العسكرية ووفق قانون الحرب وقواعد اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949، تتحمل فرنسا المسؤولية الكاملة في عدم إماطة اللثام وكشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام الفرنسي والدولي حول هذه الجرائم المستنكرة من قبل القانون الدولي، والكشف عن دور الجنود المغاربة الشجعان في انتصار الحلفاء، وهو ما يمثل تزويراً للحقائق التاريخية وإهدارا لحقوق فئة من المواطنين لم يعد يتذكرها أحد".

ووصف لعروسي إشراك المغاربة في الحرب العالمية الأولى بأنه "تكريس لعقلية استعمارية استعلائية من طرف المحتل الفرنسي، لا تراعي الجانب الإنساني في التعامل مع المستعمرات، باعتبارها مجرد أعداد تحارب في صفوف فرنسا في حرب لا تهمهم من قريب أو من بعد".

ولفت إلى أثر آخر من تداعيات هذه الحرب، هو أن "مساهمة الجنود المغاربة في انتصار الحلفاء تعتبر مساهمة في إرساء قواعد نظام دولي جديد يقوم على مبادئ الليبرالية واقتصاد السوق، لكنه يكرس المفهوم الغربي لقواعد القانون الدولي والذي لا مكان فيه لأصوات الشعوب المطالبة بالتحرر".



المساهمون