الجمال الأنثوي وأزمة الثقة والهوية

25 أكتوبر 2014
الصورة
"سمراءُ يا حلمَ الطفولة" (Getty)
+ الخط -
ناقمةً تتحدّث سارة عن لونها الذي تكرهه. تقول إنّها لن تجد عريس أحلامها بسبب بشرتها السمراء. لا تغادر سارة المنزل من دون وضع الكثير من المبيّضات، ولا تخلو حقيبتها من البودرة البيضاء أبداً. إذا هي نسيت، تُذكّرها والدتها. تحلم أن تتدبّر يوماً ما مصاريف إجراء عملية تبيّض بشرتها، إسوة بمايكل جاكسون مثلا، أو الفنانة الإماراتية أحلام. وهي تعترف أنّ هذا الأمر سيستلزم الكثير من الجهد والوقت والمال.
سارة ليست الوحيدة التي تبحث عن بشرة بيضاء. إذ يبدو أنّ الكثير من النساء، في لبنان والعالم العربي، يشاطرنها هذا الهوس. فالمرأة العربية هي من بين الأكثر إنفاقاً علی مستحضرات التجميل وكريمات التبييض.

وقد صرّحت خبيرة التجميل المصرية، منی المسيري، في إحدی مقابلاتها التلفزيونية، أنّ "معظم الفتيات المصريات مريضات بداء تقشير البشرة وتبييضها"، وأضافت أنّ "معظم الفتيات تتغير طلّتهنّ إلی الأسوأ بعد التفتيح، لكنّهنّ مغرمات بالبشرة البيضاء".
أما في السودان، فقد اتخذت ظاهرة تبييض البشرة بُعداً آخر أكثر خطورة، بعدما أظهر تقرير، أخيراً، أنّ إمرأة سودانية أصيبت بالفشل الكلوي جرّاء الاستخدام المفرط لكريمات التبييض، ما دفع ناشطات سودانيات إلی تنظيم ندوات عدّة حول "ظاهرة تبييض البشرة وأزمة الهوية".
يُرجَّح أنّ هوس العديد من النساء العربيات باللون الأبيض سببه الرجل. يفضّل العديد من الرجال الارتباط بذوات البشرة الفاتحة، ما قد يخلق لدی المرأة السمراء شعوراً بالخوف من العنوسة مثلاً.

يقول أحمد، وهو شاب قطري عمره 30 عاماً، إنّ "الرجال في الخليج يبحثون عن المرأة البيضاء، لأنّ السمراء هي أمّه وأخته وقريبته، فيبحثون عن البيضاء كنوع من الاختلاف". ويشاطره خالد، وهو شاب مصري عمره 25 عاماً، الرأي نفسه. لا يعرف خالد سبب هوسه بالشقراوات وذوات البشرة الفاتحة، ويقول إنّه يحسد "الرجل العربي في لبنان والشام علی بياض المرأة هناك".
ثمّة جذور تاريخية للإعجاب بالبشرة البيضاء عند العرب. ويمكن من خلال جولة صغيرة في شِعرِ العصر الجاهلي، وعلی بعض الأغنيات الشعبية، أن نلاحظ المكانة التي تتمتع بها النساء البيضاوات. فقد رأی العرب أن البياض آية الجمال والحسن خصوصاً إذا مازجته الصُفرَة والحُمرَة، وقالوا: "الجارية الحسناء بلون الشمس فهي بالضحی بيضاء وبالعشي صفراء". ولم يقتصر الأمر علی إبداء الإعجاب بالمرأة البيضاء، بل تعدّاه الی إبداء النفور من السمراء.
فقد روی أبو علي القالي في كتابه "الأمالي" أنّه "أتی رجل ابنته يستشيرها في امرأة يتزوّجها فقالت: أنظرْها ركماء جسيمة"، والرّكماء هي السمراء.

ليلی نظمي مثلاً تغني "خلّيه يتزوّج يا بهية"، وخلال الأغنية تعدّد كيف يمكن أن تتغلّب الزوجة عليها بالطول مثلاً، وبغيرها من الصفات، من ضمنها البياض: "وإن كانت هي أبيض منّي... حجّ البودرة يبيّضني". ولا ننسی أغنية الريس متقال "البتّ بيضا" الشهيرة. كذلك تشير العديد من الأغنيات الشعبية الفلسطينية إلی تفضيل المرأة البيضاء علی السمراء، مثل: "مرّيت علی روض لقيت الخوخ متدلّي... مشيت مع السمر لقيت البيض أحسن لي... السُّمر عطر القناني عند التسالي بتسلّي... لكن البيض يا جميل وقت الحبّ أحسن لي". ولا ننسى أغنية الفنان اللبناني غسّان صليبا الذي يخاف علی بياض حبيبته، فينصحها: "لا تروحي عالبحر كتير... البحر بيحرقلك جسمك".

لكن هل الجمال أسمر؟
تتوجّه سلام خمس مرّات في الأسبوع إلی مجمع ABC التجاري في الأشرفية شرق بيروت. تنتظر دورها لدخول السولاريوم. غالباً ما تنتظر نصف ساعة أو أكثر في الطابور الطويل، إلى أن يأتي دورها. تمضي 20 دقيقة، وأحياناً أكثر، في غرفة السولاريوم، كي تحافظ علی لونها البرونزي صيفاً وشتاءً. تتوجّه إلی الصندوق وتدفع 20 دولاراً كلّ مرة، أي أنّ سلام تصرف 400 دولار شهرياً علی تسمير بشرتها، ما يعادل نصف راتبها الشهري. وهي واحدة من 300 شخص يتوجّهون يومياً إلی مركز التسمير هذا، في المركز التجاري.
تری سلام أنّ اللون الذي تحصل عليه "يستحقّ المبالغ" التي تدفعها. وتبرّر لجوئها الدائم إلی المركز بأنّ اللون البرونزي يزيد من ثقتها بنفسها ويجعلها تبدو "سكسي أكثر". كما أنّها تری "البشرة الفاتحة موضة قديمة. فالرجال ينجذبون إلی السمراء أكثر".
تتشارك الكثير من الصبايا مع سلام هوسها في موضة "السولاريوم" التي وجدنَ فيها الحلّ للحفاظ علی اسمرار بشراتهنّ في الصيف والشتاء. وراحت تنتشر غرف السولاريوم بشكل كثيف في العاصمة بيروت، ويكاد لا يخلو أيّ صالون تجميل من غرفة للسولاريوم تلبّي حاجات الزبونات. ولا يختلف الأمر كثيراً في المناطق البعيدة عن العاصمة، إذ يبدو أنّ الفتيات في القری البقاعية، البعيدة مثلاً، حيث لا توجد ماكينات التسمير، يتوجّهنّ إلی البلدات القريبة، مثل زحلة وشتورا، فقط من أجل الحصول علی 20 دقيقة داخل "الغرفة السحرية".

يبدو أنّ نظرية فيلم "الرجال يفضلونهنّ شقراوات" للنجمة الشقراء مارلين مونرو لم تعد صالحة هذه الأيام. إذ يفضّل العديد من الرجال المرأة السمراء علی المرأة البيضاء والشقراء، فيعتبرونها "أكثر جاذبية وحضوراً وثقة بالنفس". كما أنّ بعضهم أقرّ بأنّه يشعر "بالراحة أكثر" مع السمراء ويعتبرها "أكثر انفتاحاً".
إذا استعرضنا الأدب العربي الحديث والأغنيات العربية في السنوات الأخيرة، نجد أنّ للمرأة السمراء حضوراً قوياً. إذ بُنيت قصائد وأغانٍ بأكملها علی المرأة السمراء، مثل أغنية الفنان عبد الحليم حافظ "أسمر يا اسمراني" و"سمراء يا حلم الطفولة" وأغنية الفنان محرّم فؤاد "أبحث عن سمراء"، أو "الليلة يا سمرا" التي يغنيها الفنان المصري محمد منير، والأغنية العراقية "سمرة سمارك زين" للفنان جميل سليم، و"رقة حسنك وسمارك"، و"سمرا يا أم عيون وساع" و"سمرا حبيبتي سمرا" وغيرها الكثير.

المساهمون