الجفاف العاطفي

19 مايو 2019
+ الخط -
يمكن تعريف الجفاف العاطفي بأنه نقص حاد في شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الأفراد، وهي مسألة يعاني منها كل أفراد المجتمع. الدفء العاطفي والتعبير عن المشاعر والأحاسيس واللطف في التعامل على المستويين، الخاص والعام، هي سلوكيات متعلّمة مكتسبة منذ السنوات الأولى من عمر الفرد، تنمو معه، لتشكل سمات شخصية الفرد، فيقال هذا شخص راق ودود، وذلك شخص جاف منفر، وهذا الشخص متفاهم واسع الأفق. كل هذه المفاهيم مرتبطة بالجفاف العاطفي بصورة أو بأخرى، فالجفاف العاطفي قد يكون من أكثر العوامل التي تؤثر على الشخصية، وعلى التفاعل الاجتماعي تحديدا، وبسببه، يتحول الفرد إلى شخص سلبي غير فعال ذي شخصية منفرة، بالإضافة لنظرة سوداوية للموضوعات، وكذلك قد تمتد ليصبح الشخص عصبي المزاج. إحاطة الشخص، منذ فترة مبكرة، في حياته بأشخاص ودودين واجتماعيين يؤثر على سلوك الفرد المتعلم والسلوك العام مع المجتمع، بالإضافة إلى قدرة الفرد على مواجهة التحديات بايجابية وقوة. ولدفء المشاعر والتعبير عنها أبلغ الأثر في تكوين الفرد ذي الشخصية المتوازنة. ولا شك في أن الكبت يقود إلى العصبية وتقلب المزاج الحاد.
لدى مجتمعاتنا مشكلة، وهي التعبير عن المشاعر حتى منذ الطفولة، فالطفل قد يعامل بطريقة جافة خالية من المشاعر، وكذلك حرمانه من التعبير عنها، فيقال له إذا كان صبيا "لا تبك أنت رجل"، وهذا يدل على أن على الرجل ألا يتأثر ولا تتأثر مشاعره بأي حدث إلى درجة البكاء!
وفي إطار الزواج، نجد هذه الصفات بشكل أعمق، إذ لا يعبر الأزواج عن حبهم أمام أبنائهم بالحديث أو الكلمات، وتظهر انفعالاتهم القاسية فقط مما يسبب شرخا معنويا للأطفال، ويزيد الجفاف العاطفي. وللعلم، فإنّ مجتمعاتنا الأسرية بحاجة للعاطفة بشكل ﻻ يقل أهمية عن الحاجة الغذائية، بل قد يكون الأكثر أهمية في بناء شخصية متوازنة نفسيا تنعم بالسلام الداخلي. ومن فوائد أن نظهر العاطفة لأطفالنا ولبعضنا، أنها تكون متبادلة بيننا، ما يشيع المودة والرحمة بين الناس، وتلغي الشحناء والبغضاء، وتكون سببا في اختفاء ظاهرة سيئة، وهي عقوق الأبناء الآباء والأمهات، وهي نتاج للجفاف العاطفي أيضا. كذلك تكون من مداخل الراحة النفسية، فالتعبير عن المشاعر (إيجابية أو سلبية) يجعل الفرد في راحة داخلية، ما يقلل من آثار الإحباط والاكتئاب على المدى البعيد.
551E9B0A-DA09-407B-9253-1ECB1B844685
محمد عمر حسن (السودان)