الجزائر ولبنان في الهم سواء

29 يوليو 2020
الصورة
أصبح الجزائري يلهث للحصول على أمواله (Getty)

مُغرم الفاعل والمسؤول السياسي في الجزائر بضرب الأمثلة عن الدول الفاشلة، لأن عامل الفشل يغلب عامل النجاح لديه. في أكثر من حديث تلفزيوني، جاء الرئيس عبد المجيد تبون على ذكر الصومال في سياق تحذيراته من زيادة العسكرة في ليبيا. المتابعون نبهوا الرئيس إلى أن الاستغراق في ضرب الأمثلة بالصومال فيه إساءة إلى بلد شقيق. 
صورة الصومال ووضعه الداخلي تغيرت على أكثر من صعيد، ولم يعد بالضرورة بلداً جائعاً ومشتتاً بالحرب. الصومال يعيش تغييراً، ويتوجه في أفق العقدين المقبلين ليصبح من أكثر الدول استقراراً وجذباً للاستثمارات والسياحة. بلد طور منظومته المالية إلى درجة الاستخدام الواسع لخدمة البيع والشراء، وإرسال وسحب الأموال من الحسابات البنكية عن طريق الهاتف المحمول.
إضافة إلى الصومال، كانت الانقسامات والتوترات السياسية المرتبطة بالهويات، توحي لكثير من السياسيين في الجزائر باستخدام كلمة "اللبننة"، بالإحالة إلى الحرب اللبنانية تخويفاً. لكن "اللبننة" الحقيقية في الجزائر في هذه الفترة لا علاقة لها بمستوى النزاع السياسي. هي في تماثل هم المواطن اللبناني مع هم المواطن الجزائري جرياً وراء السيولة النقدية، وفي عودة انشغال الشباب بالتفكير في الهجرة السرية. 
للبنان ظروفه السياسية ومعطياته الاقتصادية التي تُعقد وضعه وتخلق أزمة المصارف والسيولة، بينما بلد كالجزائر زاخر بعائدات المحروقات، واحتياطي بـ50 مليار دولار أميركي، لا يوجد ما يبرر هذه الطوابير القبيحة أمام المصارف البريدية، بما فيها من "إذلال" للجزائري الذي كان يطمح للتغيير، فوجد نفسه في "الجزائر الجديدة" يلهث من مركز بريد إلى آخر للحصول على أمواله. غياب الرشد السياسي يصنع هذا وأكثر. لم يحدث أبداً في تاريخ الجزائر أن أبكر المواطنون مع خيوط الفجر إلى مركز بريد للحصول على صف متقدم لقبض المرتب أو منحة التقاعد. والأقبح أن الحكومة في التلفزيون تُخبر الجزائري، وقد قضى يومه في الطوابير، أنه لا توجد أزمة في المصارف البريدية. عصي على المواطن أيصدق نفسه أم يصدق الحكومة؟
يُعرف عن لبنان أنه بلد يعيش نصف مواطنيه مغتربين خارج البلاد، وتوحي عودة أسطول الهجرة السرية للشباب من الجزائر (وصول 31 قارباً لمهاجرين جزائريين إلى سواحل إسبانيا) بأن البلاد تتجه لتصبح مثل لبنان، بلد مثقوب يسيل منه الشباب والمهاجرون، ذلك أن كل السحابة العامرة بالأمل في تغيير سياسي، والتي غطت سماء الجزائر في عز الحراك الشعبي - لدرجة أن توقفت نهائياً حركة الهجرة السرية - بدأت تتلاشى، لمجرد أن عاودت السلطة النهج نفسه الذي أدى إلى الإخفاق سابقاً. في النهاية السلطة غير مبدعة، والشعب الجزائري يريد حكومة إبداع. السلطة تضرب المثل بالدول الفاشلة، بينما الشعب والشباب المُقدم على الحياة منتبه لدول النجاح، وهنا الفرق الكبير.