الجزائر وفرنسا .. جدل عقيم أم ضغط حقيقي؟

02 يونيو 2020
الصورة
عاشت الجزائر، في ظرف شهرين، حالة احتقان في علاقاتها مع فرنسا، حيث عبرت عن انفعالها الشديد مما بثته قنوات تلفزيونية فرنسية عن حراك الجزائر، وعن حال البلاد بعد تسلم الرئيس عبد المجيد تبون الحكم في ديسمبر/ كانون الأول 2019. استدعت الحكومة هذه المرة سفيرها في فرنسا للتشاور، وأفردت له رحلة خاصة من باريس، نظرا إلى توقف الرحلات الجوية بسبب كورونا. وكان الأمر نفسه، في إبريل/ نيسان الماضي، قد أدّى إلى استدعاء وزارة الخارجية الجزائرية سفير فرنسا، للاحتجاج على ما بثته قناة فرنسية إخبارية واعتبرته الحكومة تشويها لأوضاع البلاد، إذ تعتقد الجزائر أن القنوات المعنية عمومية، وتعبّر، بشكل أو بآخر، عن الموقف الرسمي الفرنسي. وكان الرئيس تبون قد انتقد ما سمّاه "تحامل جهات أجنبية" على بلاده، وأشار، في الأثناء، إلى تقارير إعلامية فرنسية، وصفها بأنها "بغيضة"، تناولت فترة توليه الحكم، بانتقاد كثير، وبكثافة لم تترك للقارئ أو المشاهد المتابع لها، فرصة لالتقاط أوجه إيجابية في ولايته الرئاسية التي لم تُكمل شهرها السادس بعد. 
هل يرقى عدم الرضا عن برامج تلفزيونية إلى استدعاء أزمة بين باريس والجزائر؟ وهل من الحكمة النبش في سنوات طويلة من علاقات لم تستطع الديبلوماسية أن تجد لها علاجا يجنبها الإجهاد الذي اعتراها 58 سنة من عمر استقلال الجزائر عن فرنسا؟ ثم لماذا تتحسس الجزائر، إلى حد الانفعال أحيانا، من برامج تلفزيونية فرنسية؟ تعرف أن الحكومة الفرنسية جاهزة للرد عليها بحجة حرية الصحافة، إذ قالت وزارة الخارجية الفرنسية في تعليقها على قرار استدعاء السفير الجزائري للتشاور، إن "وسائل الإعلام الفرنسية تحظى باستقلالية كاملة 
في خطها التحريري، وهي حرية يحميها القانون". وقال الكلام نفسه السفير يوم استدعته وزارة الخارجية الجزائرية للاحتجاج على ما بثته "فرانس 24"، وحمل السفير يومها من حجج "احترام المهنية والاحترافية الصحافية" ما يكفي لسد فراغات التوتر. أخرج من جرابه كل مصطلحات "الحرية" التي يتمتع بها الإعلام الفرنسي. ويعرف الجزائريون جيدا أبعاد الحقيقة وحدودها في كلام سعادة السفير، عندما يتعلق الأمر بعلاقات بلادهم المتشابكة مع فرنسا، والتي تحكمها رواسب التاريخ وتعقيدات الحاضر، بكل ما يحمله من رغبة فرنسية مستميتة في إبقاء الجزائر في متناول اليد. يعرف الجزائريون أيضا أن الحراك الذي رفض التبعية لفرنسا في شعارات رفعت خلال المسيرات منذ 22 فبراير/ شباط 2019 لا ترغب باريس في تركه ينجز ما خط لنفسه من أهداف عبر انتهاج خريطة طريق تبتعد عنها، أو عن تأثيراتها.
هل رَفْعُ مستوى الاعتراض الجزائري إلى استدعاء السفير من باريس للتشاور ورقة ضغط حقيقية على باريس؟ أم أنه مجرد نفخ في بالونة الوطنية التي يشعر المسؤولون الجزائريون أن "الاستعلاء" الفرنسي يحرجها من حين إلى آخر، بما تبثه أجهزته الإعلامية؟ وقد كتبت الخارجية الجزائرية، في إبريل/ نيسان الماضي، رسالة استدعاء السفير الفرنسي باللغة الفرنسية، كما العادة للأسف، وكان يكفي أن تراسل الوزارة سفارته بالعربية لتكون وحدها اللغة 
ردا وافيا على الإعلام الفرنسي، ورسالة واضحة المعالم للضفة الأخرى من المتوسط.
أياً كان الاحتجاج، من السذاجة أن تنتظر السلطات الجزائرية من القنوات الأجنبية، والفرنسية خصوصا، التعامل مع الشأن الجزائري باحترافية، فصورة الجزائر الحقيقية تعكسها مرآة إعلامها أولا، الذي يُعاني الأمرّين، من ضحالة في المحتوى، وتراكم ما لا يلزم من عناوين صحافية لا تكاد نُسخها القليلة تغادر المطبعة حتى ترمى في سِلال تدوير ورق الصحف. وبكل إمكاناتها البشرية والمادية، فشلت الجزائر في إنشاء مشروع إعلامي إقليمي يكون قادرا على التأثير، في الداخل والخارج، صحفا أو قنوات تلفزيونية، فما زال الجزائريون يشاهدون القنوات الفرنسية المشفرة أكثر مما يشاهدون قنواتهم المحلية، وما زالت الصحف الجزائرية تنشر يوميا برامج التلفزيونات الفرنسية، ولا تنشر برامج التلفزيونات الجزائرية.
لم يعد الجزائريون يثقون في معظم صحفهم المحلية التي تسللت إليها يد العبث، فلعبت بجدارتها واحترافيتها، وسلمتها للرداءة، حيث أصبح بعضها يسرق من الصحف الأجنبية مقالاتها والأخبار، ويأخذ من صفحات "فيسبوك" ما يشاء. ما بقي من الصحافة ما زال عاجزا عن انتخاب مجلس لأخلاقيات المهنة، وسلطة ضبط ذاتية تتكفل بالمساءلة المهنية عند وجود
تجاوزات، كما تصر السلطة في كل تغيير وزاري على إبقاء وزارة الإعلام حية ترزق، في وقت لم تعد معه الصحافة عبر العالم في حاجة إلى وزارة تقيدها ببيروقراطية تجاوزها الزمن، وتفرض سطوتها في قضايا النشر. أُضعف البلد إعلاميا بعد سنوات من سطوة الزبائنية، وتوزيع الإشهار (الإعلان) ريعاً على المقرّبين والمتزلفين، وأصاب الوهن جسم الصحافة المحلية التي لم ترتق بعد إلى حالة التأثير على الرأي العام المحلي.
يعيش بعض الجزائريين ازدواجاً في الشخصية لدى التعبير عن مواقفهم من كل ما هو فرنسي. استهجنوا ما وصفوها "تصريحات كاذبة" وأن قنوات حكومية فرنسية هاجمت بلدهم، معتبرين ذلك تدخلا "بغيضا" غرضه إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار الوطني. وفي الوقت نفسه، تتسلل كوادر سياسية وإدارية جزائرية عليا كل أسبوع إلى فرنسا لقضاء حوائجها، والاحتفاظ ببطاقة الإقامة، بل وشراء شقق هناك، والاحتفاظ بالود مع مسؤولي فرنسا، ضمانا لما بعد الإحالة على التقاعد. لا يعدم القارئ أمثلة كثيرة، ومن أراد الاستزادة يجدها في كتاب "باريس ـ الجزائر، تاريخ عاطفي" لكريستوف ديبوا وماري كريستين تابت (دار ستوك، 2015)، أو يكتفي بما اكتشفه من بعد سقوط نظام عبد العزيز بوتفليقة، من فساد، وتهريب للأموال، وشراء للعقارات.