الجزائر: محاكمة شعبية لبوتفليقة وتصدّع إضافي في جبهة السلطة

الجزائر
عثمان لحياني
05 مارس 2019
+ الخط -
لم يتأخر رد الشارع الجزائري والمعارضة على تقديم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 18 إبريل/نيسان، مع لائحة تعهدات بعقد مؤتمر توافق وطني وتعديل الدستور وانتخابات رئاسية مبكرة بعد عام تضمن له خروجاً مشرفاً من السلطة. فلم يكد مدير حملة بوتفليقة، عبد الغني زعلان، ينتهي من قراءة رسالة التعهدات المنسوبة للرئيس مساء الأحد، حتى كانت موجة من المسيرات الليلية تعمّ شوارع العاصمة وعدد من المدن الجزائرية بشكل عفوي ومن دون أي دعوات مسبقة. في غضون ذلك، كان المزيد من التصدّع يضرب جبهة السلطة، بالتوازي مع توجّه مرشحين للرئاسة إلى الانسحاب، فيما يُنتظر خطاب قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، اليوم الثلاثاء، لمعرفة توجّه المؤسسة العسكرية وإمكان تبدّل موقفها من السلطة. في المقابل، تُثار مخاوف من تحوّل في سياسات الشرطة مع المتظاهرين وتوجّه نحو مزيد من التشدد معهم، وسط مؤشرات على ذلك. 

وتتأرجح الجزائر في ظرف بالغ الخطورة، بين حراك 22 فبراير الشعبي المطالب بإنهاء حكم بوتفليقة، و"مسار 18 إبريل". وفيما يتعزز موقف الحراك الشعبي بمزيد من الدعم، يتجه معسكر بوتفليقة إلى التصدّع أكثر وأكثر، مع بداية تصعيد الموقف وانتقال الحراك إلى خطوة أخرى، قد تكون أفكار إعلان الإضراب العام في حال لم يتم سحب ملف ترشح بوتفليقة قبل 13 مارس/آذار الحالي وإقرار حالة شغور في منصب رئيس الجمهورية، هي الأقرب إلى التنفيذ اليوم. ويعتبر ناشطون أن "الاستفزاز السياسي" الذي قامت به كتلة بوتفليقة بالإصرار على تقديم الترشيح، سيدفع الحراك الشعبي إلى رفع سقف المطالب السياسية، من رفض الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة ونهاية حكمه بحلول منتصف إبريل المقبل، إلى المطالبة بإنهاء حكم الرئيس الآن وإعلان حالة عجزه، والدخول في الاستحقاق الدستوري وتفعيل المادة 102 من الدستور التي تتيح نقل الصلاحيات الدستورية إلى رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، مدة 45 يوماً، تستدعى بعدها انتخابات رئاسية في غضون 90 يوماً. وقال الناشط البارز في الحراك، عبد الوكيل بلام، لـ"العربي الجديد"، إن "رد فعل الشارع (مساء الأحد) كانت عفوية، وإن كانت تحمل بعض المخاطر بالنسبة لنا كون المسيرات الليلية غير مضمونة ويمكن أن تنزلق وتنسف الحراك الشعبي من الأساس، وتوفر حجة تبحث عنها السلطة لتبرير تدخلها العنيف وإغلاق الشارع".

وفيما تجري استعدادات لتنظيم "تظاهرات مليونية" يوم الجمعة المقبل، قررت منظمة المحامين في منطقة قسنطينة شرقي الجزائر، والتي تضم عدداً من المحاكم والمجالس القضائية في أربع ولايات، مقاطعة العمل القضائي في كل المجالس والمحاكم القضائية ابتداء من يوم غد الأربعاء، وتنظيم وقفات أمام مقار المجالس القضائية ضد العهدة الخامسة لبوتفليقة. كما تتجه منظمة المحامين في منطقة سيدي بلعباس غربي الجزائر إلى القرار نفسه. كما نقل الحراك الشعبي الاضطرابات التنظيمية إلى البرلمان، وإلى داخل كبرى النقابات الموالية لبوتفليقة، إذ أعلن المئات من الكوادر العمالية التمرد على الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، عبد المجيد سيدي السعيد، واعتصموا أمام المقر المركزي للاتحاد، وطالبوا برحيل سيدي سعيد من القيادة النقابية بسبب مواقفه التي وصفها المعتصمون بـ"المتواطئة مع السلطة واحتكار الموقف النقابي لصالح مشروع العهدة الخامسة".

ولم ترفع رسالة بوتفليقة وتعهداته السياسية التي طرحها مساء الأحد، معنويات معسكره، الذي دخل حالة شك وارتباك كبيرة. ولم تعلن أحزاب الموالاة عن تفاعل إيجابي سريع مع رسالة وتعهدات بوتفليقة، عدا بيان يتيم لـ"التجمع الوطني الديمقراطي" الذي يقوده رئيس الحكومة أحمد أويحيى، والذي وصف تعهدات بوتفليقة، بأنها "إصغاء من بوتفليقة، بكل إخلاص، لأصوات المواطنين المعبّرة عن مطالبهم"، إضافة إلى بيان فاتر من "جبهة التحرير الوطني" اعتبر رسالة الرئيس "استجابة صادقة منه لنداء الشباب الجزائري". كما بدأت قيادات وكوادر هذه الأحزاب الداعمة للرئيس الجزائري تتهرب من الظهور في القنوات المحلية والأجنبية، فيما أعلنت قيادات وكوادر جديدة في أحزاب الموالاة انسحابها من الحزب. وأعلن الوزير السابق، سيد أحمد فروخي، استقالته من البرلمان ووضع حد لعضويته في الحزب الحاكم، وبرر موقفه بضرورات الواجب الوطني التي تفرض الالتحاق بالمطالب الشعبية في الحق بالديمقراطية. كما أعلن عضو اللجنة المركزية لحزب "جبهة التحرير الوطني" باديس بولوذنين عن استقالته ودعمه للحراك الشعبي، وقال لـ"العربي الجديد" إنه قدّم استقالته تضامناً مع المتظاهرين، مضيفاً "أرفض واستنكر الخطاب الاستفزازي وغير المسؤول الذي خرج به منسق هيئة تسيير الحزب معاذ بوشارب تجاه الشعب"، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من كوادر الحزب يستعدون لإعلان موقف مماثل، والمطالبة بتنحية معاذ بوشارب وتصحيح خط الحزب.
الارتباك السياسي الذي تواجهه السلطة توسع إلى السباق الرئاسي، إذ أعلن رئيس حزب "جبهة المستقبل" المرشح الرئاسي بلعيد عبد العزيز انسحابه من الانتخابات الرئاسية، بعد إيداع ملف ترشحه السبت الماضي لدى المجلس الدستوري.


ووسط هذه الصورة، تتوجه الأنظار اليوم إلى أكاديمية الجيش في منطقة شرشال (غربي الجزائر)، حيث سيلقي قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح خطاباً أمام كبار القيادات العسكرية، يعلن فيه عن موقف الجيش. وإذا كان المراقبون يعتقدون أن موقف قائد الجيش لن يكون مخالفاً للموقف الذي أعلنه الثلاثاء الماضي بدعم بوتفليقة واتهام الحراك الشعبي بدفع البلاد إلى المجهول، فإن بعض التوقعات على قلتها ترجح إمكانية أن يعدّل قائد الجيش موقفه، بالنظر إلى عموم الموقف الشعبي وحساسية الظرف الإقليمي والمخاطر الداخلية وتجربة التسعينات الأليمة التي تفرض تجنّب وضع الجيش في مقابل الشعب.

في المقابل، عزز غياب بوتفليقة عن مراسم تسليم ملف ترشحه، وهو الذي ما زال منذ الأحد ما قبل الماضي في مستشفى بسويسرا، من الشكوك السياسية والشعبية في أن تكون رسالة التعهدات التي تضمنتها رسالة بوتفليقة، وقرأها مدير حملته الانتخابية، لا علاقة لها بالرئيس.
وبدت القوى السياسية المعارضة غير مقتنعة تماماً بتعهدات بوتفليقة. ودعت الأمينة العامة لحزب "العمال" اليساري لويزة حنون، إلى إعلان حال عجز بوتفليقة. وتوجّهت حنون في تصريح للصحافيين "إلى أولئك الذين يتحدثون ويقررون باسم رئيس الجمهورية وقرروا تقديم ملف ترشحه، أقول لهم أعلنوا حالة عجز الرئيس، اتركوا هذا الرجل يغادر بسلام، يجب الإشفاق عليه وعلى البلد". واعتبرت حنون أن رسالة بوتفليقة التي بعث بها للجزائريين تزامناً مع تقديم ملف ترشحه لدى المجلس الدستوري، "هي رسالة منسوبة إلى الرئيس"، ودعت إلى استمرار الحراك الشعبي حتى إنهاء مشروع العهدة الخامسة.

أما "التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية"، فرفض تصديق تعهدات بوتفليقة، قائلاً "من سيصدّق أن الرجل الذي يُختزل كل رصيده السياسي في قائمة طويلة من الانقلابات والخيانات والدسائس التي دمّرت الأمة، يمكن أن يتحول إلى النقيض لكي ينجز الآن بعد أن خانته الصحة وأفرغت الخزينة ما ظل يحاربه بكل تصميم ومنهجية طول عمره".

وتجد القوى السياسية والمدنية المعارضة في الجزائر، في الحراك الشعبي فرصة غير مسبوقة وسانحة لتحقيق تغيير سياسي وإنجاز أكبر قدر ممكن من المكاسب ودفع السلطة المرتبكة إلى التنازل التام عن الخيارات التي توصف بـ"المغامرة"، وتحرير المشهد السياسي. وفي السياق، تسعى القوى المعارضة إلى وضع أطر مشتركة لتنظيم الحراك الشعبي. ودعت حركة "مجتمع السلم" (إخوان الجزائر) إلى إنشاء شبكة الوطنيين الأحرار، كإطار موسع تشارك فيه كل الأطياف للتجاوب مع الحراك وحمايته والإبقاء على الطابع السلمي ومنع استفزازه من قبل أطراف في السلطة. وقال رئيس الحركة عبد الرزاق مقري، في مؤتمر صحافي عقده أمس، إن الوضع بات يتطلب تشكيل جبهة وشبكة مستقلة وموسعة تشارك فيها كل القوى الحية في البلاد لدعم الحراك والدفع به إلى تحقيق أهدافه القصوى. ودعا مقري القوى والأطراف السياسية إلى المساعدة في تنظيم الحراك السياسي والحفاظ على طابعه السلمي، من دون محاولة احتوائه من أي جهة كانت. ورفض التوجّه نحو خيار سحب كتلة الحزب من البرلمان، كقرار لدعم الحراك الشعبي.

لكن مقابل ذلك، يتخوّف ناشطون من إمكانية لجوء السلطة إلى دفع الجيش والقوى الأمنية إلى مواجهة الشارع "واستعمال العنف تحت أي مبرر كان"، بحسب الناشط في الحراك سمير بلعربي، الذي قال في تصريح لـ"العربي الجديد" إن "تمسك السلطة بالعهدة الخامسة يضع البلد على منعطف خطر، والخطورة تكمن في أن المجموعة المحيطة ببوتفليقة، متحللة أخلاقياً وسياسياً، ولن تتوانى عن وضع مؤسسات الدولة التي تستخدمها كتلة بوتفليقة في مواجهة مع الحراك الشعبي". وأضاف بلعربي إنه "لا يمكن الآن لأي طرف سياسي أن يكون ضمن كتلة مسيرة وحراك 22 فبراير، وفي الوقت نفسه منخرطاً في مسار 18 إبريل"، وأضاف" اللحظة التاريخية تستوجب عزل النظام السياسي.
وبدأت فعلاً حالة من التشدد الأمني وتحوّل في سياسات الشرطة مع المتظاهرين، إذ اعتقلت الشرطة عدداً من طلبة الجامعة المركزية عند محاولتهم تنظيم مسيرة في ساحة أودان وسط العاصمة، فيما حصلت "العربي الجديد" على تسريبات من مصادر أمنية، تتعلق بتعليمات وأوامر للتشدد مع المتظاهرين، إضافة إلى عودة القبضة على الإعلام العام والمستقل، ومنع التلفزيون العام من استعمال الشعارات التي لها علاقة برفض العهدة الخامسة.

ذات صلة

الصورة
البرلمان الجزائري (العربي الجديد)

مجتمع

صادق نواب البرلمان الجزائري، أمس الثلاثاء، على قانون الوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص، الذي يتضمّن تجريم عمليات خطف الأطفال والقصر واختطاف البالغين، وتشديد العقوبات الردعية التي تصل إلى حدّ الإعدام والمؤبد في حق المتورطين في عمليات الاختطاف.
الصورة
البرلمان الجزائري-العربي الجديد

سياسة

وجدت الكتل النيابية الموالية والمعارضة في الجزائر، في مناقشة قانون الموازنة الجديد، فرصة لمهاجمة سياسات الحكومة، وانتقاد إخفاقها في طرح حلول للأزمة الراهنة في البلاد، والمطالبة بإجراء تعديل وزاري عاجل، والطعن في المسار السياسي الذي تنتهجه السلطة.
الصورة
حرائق الجزائر (العربي الجديد)

مجتمع

بدأت موجة الحرائق الجديدة، التي اندلعت الليلة الماضية في الجزائر، تأخذ أبعاداً سياسية، بفعل شكوك متصاعدة حول وجود طرف ما ودوافع خلف اندلاعها في 11 ولاية، وفي وقت واحد. 
الصورة
إقامة صلاة الجمعة بالجزائر بعد انقطاع لأشهر مع تطبيق إجراءات الوقاية من كورونا (العربي الجديد)

مجتمع

أقام الجزائريون صلاة الجمعة للمرة الأولى منذ غلق المساجد وتعليق الصلاة قبل تسعة أشهر، منتصف مارس/آذار الماضي، وسط تدابير وترتيبات صحية ووقائية، تخوفاً من انتشار فيروس كورونا في ظل موجة ثانية من الوباء تشهدها الجزائر

المساهمون