الجزائر: ماذا تريد السلطة والجيش؟

21 اغسطس 2019
الصورة
يدخل حراك الجزائر شهره السابع (رياض قرامضي/فرانس برس)

ماذا تريد السلطة في الجزائر وماذا يريد الجيش من الجزائريين أكثر من ثورة هادئة، وحراك حافظ على سلميته لمدة ستة أشهر، ومعارضة عاقلة وشباب سدّ باب التدخل الأجنبي؟

مع أنه يمكن تصور كيف للمشهد الجزائري أن يكون لو جنحت التظاهرات إلى العنف، فإنه خلال ستة أشهر من الاحتجاجات، ظلّت السلمية سلاحاً شعبياً منع استدعاء أي مشهد للمواجهة، برغم كمّ الاستدراج الذي مارسته السلطة واستفزاز الشرطة ضد المتظاهرين، ما أتاح تصحيحاً تاريخياً لصورة ظلّت ملتصقة بالجزائري، كإنسان عصبي وصدامي لا يمكنه العيش إلا داخل دائرة من الفوضى، وعدلت رسماً خاطئاً عن مجتمع جزائري كان العنف - في المخيلة العامة - أبرز سماته، وبكونه بيئة مجتمعية وسياسية لا تحلّ فيها الأزمات والمشكلات إلا بالعنف والدم.

ماذا تريد السلطة والجيش أكثر من كتلة وطنية تألمت كثيراً، لكنها رفضت منذ اللحظة الأولى أيّ شكل من أشكال التدخل الأجنبي، ووضعت ضمن مرتكزات احتجاجها السلمي منع أي طرف دولي من التدخل أو البتّ في الوضع الداخلي، وشباب ضاع مستقبله وسرق الفساد السياسي والمالي طموحاته، لكنه التزم النضال في إطار ثورة سلمية اتخذت لنفسها خطاً واضحاً وشريفاً، واحتكمت منذ 22 فبراير/ شباط الماضي إلى المرجعية التاريخية ضمن محددات ثورة أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 ورموزها كمعالم ترتكز عليها في مطالبها، واعتمدت ذلك البيان أساساً لمشروع الدولة المأمولة، مع أن شعوباً أخرى استوردت من الخارج مرجعيات لثوراتها. 

في مقابل السلطة المرتعشة والجيش الذي يدير عجلة الحكم ويصنع القرارات، ثمة معارضة سياسية عاقلة (على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية) يتحلى أغلب رجالاتها بثقافة الدولة، على الرغم من أنه لم تتوفر لها في السابق أي ظروف طبيعية لوضع أفكارها محلّ نقاش جدّي، طحنتها السلطة وسدّت عليها كل أبواب المرور إلى حالة تمثيلية جدّية، ومع ذلك حافظت على روح السلمية والحوار، وبادرت في أكثر من محطة سياسية إلى تقديم تصورات لحل الأزمة السياسية وأبدت رغبتها في التوافق والتنازل والتصالح مع السلطة، والسعي المشترك لحل الأزمة بجدية ومن دون التفاف على المطالب الأساسية، فما الذي تريده السلطة والجيش أكثر من هذا؟ مع أنه يمكن تخيل مشهد مغاير في ما لو كانت المعارضة صدامية وتعتمد أدوات العصيان والمواجهة والاستقواء بالخارج.

ليس محموداً أن يخطئ الجيش وتسيء السلطة تقدير هذه النعم في ظل خطورة المأزق، وتستمر في أساليب البلادة والتحايل ذاتها، وتجاهل رسائل ثورة شعبية عبّرت عن نفسها بسلمية وأحبطت رغبة رئيس مغرور في الخلود، ومنعت إجراء استحقاقين رئاسيين (في 18 إبريل/ نيسان و4 يوليو/ تموز من هذا العام) كان الجيش أيضاً قد أرادهما أن يكونا في موعدهما، فليس في مصلحة أحد التحايل على الشعب مجدداً، إلا إذا كان في نيّة السلطة هدم المعبد.

تعليق: