الجزائر فرنسا .. صواريخ عابرة للقارات

01 يونيو 2020
الصورة
باستدعاء سفيرها للتشاور، عقب بث القناة العمومية الفرنسية (فرانس 5)، وثائقيا شوه الحراك والدولة الجزائريين، وصور الجزائريين كأنهم مجموعات للمنحرفين ولعبدة الشيطان، تكون الجزائر الجديدة، بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون، قد دخلت المرحلة الثانية من المواجهة المفتوحة مع باريس، بعدما أنهت المرحلة الأولى من المواجهة الناعمة في أعقاب انتخاب تبون نفسه، عندما امتنع الرئيس الفرنسي، ماكرون، بداية عن تقديم تهنئته للقادم الجديد إلى قصر المرادية، واكتفائه بعبارة "أحطنا علما بفوز تبون".. وقد شرح معناها بعد ذلك وزيره للخارجية لودريان، وقال صراحة إن معناها قريب من "أن تبون تم تعيينه ولم يتم انتخابه".
تدهور العلاقات الجزائرية الفرنسية، والتي تربطهما علاقات تاريخية وثقافية خاصة، لم يكن مصادفة، وحادثة استدعاء السفير الجزائري من باريس للتشاور، ولأجل غير معلوم، بوصفها خطوة دبلوماسية للتعبير عن الاحتجاج الرسمي، وإنْ سببها الظاهر وثائقيا مسيئا من قناة فرنسية عمومية، في شكل صاروخ عابر للقارات، إلا أنه كان نتيجة تراكماتٍ واستفزازاتٍ وتشنجاتٍ في العلاقة المتوترة بين البلدين، منذ إطاحة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي ظل عقدين يمثل، بشخصه، ضمانة المصالح الفرنسية في الجزائر، خصوصا منذ مكوثه في مستشفى فال دوغراس الفرنسي عام 2014 عدة أشهر، وتلقيه دعم باريس الكامل لولاية رئاسية رابعة على كرسي متحرك، قبل أن يطيح الحراك الشعبي أطماعه بولاية خامسة دعمتها باريس أيضا.
هذا القرار الجزائري الأول من نوعه، استدعاء السفير من باريس للتشاور، والذي تضمن عبارات الرفض المطلق "لأي تنازلات أو ابتزاز من أي طبيعة كان"، جاء أسابيع فقط، عقب 
استدعاء الخارجية الجزائرية السفير الفرنسي، كزافييه دريانكورت، للاحتجاج، بعد أزمة مشابهةٍ بصاروخ عابر للقارات أيضا، إثر بث قناة فرانس 24، العمومية أيضا، تصريحات عدائية شديدة من أحد الأقدام السوداء (المستوطنون الأوروبيون الذين سكنوا الجزائر أو ولدوا فيها)، فرانسيس غيلاس، اتهم فيها الجيش الجزائري بتحويل المساعدات الصينية لمكافحة وباء كورونا، والتهجم على مشروع بناء المسجد الأعظم الذي خسرته الشركات الفرنسية لصالح نظيرتها الصينية، عبر الادعاء أنه كلف الخزينة العمومية أكثر من عشرة مليارات دولار، بما يؤكد توجه السلطات الفرنسية ناحية استفزاز الجزائر، على اعتبار أن القناتين تابعتان للدولة الفرنسية، وليستا من القنوات الخاصة، على الرغم من ردود السلطات الفرنسية من أن الإعلام الفرنسي حر، وهي لا تمارس الرقابة أو التوجيه عليه.
واللافت أن هذا الهجوم الإعلامي الفرنسي على الجزائر جاء بعد توقيع الجزائر رسميا على مبادرة "طريق الحرير" الصينية يوم 6 يونيو/ حزيران 2019، ثم فشل شركة توتال الفرنسية في 6 مايو/ أيار 2020 في استملاك أسهم شركة أناداركو الأميركية في قطاع النفط الجزائري .. بعد أن تدخلت الدولة الجزائرية، ومارست حق الشفعة عليها، وهو ما قرئ على نطاق واسع أنه موقف جزائري جديد معاد للمصالح الاقتصادية الفرنسية الضخمة في الجزائر، أو على الأقل متحفظ عليها، خصوصا وأن الصفقة، في حال ثبوتها، كانت ستمنح الفرنسيين عبر "توتال" السيطرة على ثلث الإنتاج النفطي الجزائري.
والحقيقة أن هذا كله ليس سوى أوراق صغيرة تغطي غابة العلاقات الحساسة بين البلدين، فقد حاولت فرنسا، بداية، لعب الدور نفسه الذي لعبته في تونس، ورفضها سقوط حليفها بن علي، عندما عبرت وزيرة خارجيتها، في ذلك الوقت، ميشال أليو ماري، عن استعدادها لتزويد تونس بأدوات قمع المظاهرات، غير أن دورها في الجزائر كان أخطر بكثير، فقد كشفت بيانات قيادة أركان الجيش الجزائري مع نهاية شهر مارس/ آذار 2019، وفي الأسابيع الأولى من اندلاع الحراك، عن "دور فرنسي مشبوه"، من خلال السفارة الفرنسية، في محاولة إطاحة قيادة أركان الجيش، ممثلة في قائد الأركان الراحل، الفريق أحمد قايد صالح، حيث كشفت بيانات الجيش وقتها عن اجتماعات سرية جمعت شقيق الرئيس، السعيد بوتفليقة (مستشار الرئيس والحاكم الفعلي في ظل مرض الرئيس)، مع قائد المخابرات السابق الفريق محمد مدين (توفيق)، بالتنسيق مع من سمتهم قيادة الجيش وقتها الأعداء التاريخيين للجزائر، قبل أن تكشف قنوات جزائرية خاصة وقتها أن الأمر يتعلق بالسفير الفرنسي في البلاد.
هذه المحاولة للانقلاب على قيادة الجيش التي ساندت الحراك، ورفضت إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وفرضت تنحّي بوتفليقة عن الحكم مرغما، كان لها دور كبير في تحديد الاصطفافات السياسية داخل البلاد، حيث تخندق الوطنيون إلى جانب قيادة الجيش التي أعلنت عداءها صراحة لفرنسا بوصفها (العدو التاريخي)، بعد أن ظهرت بقوة فكرة "التطهير" داخل المؤسسة العسكرية من "أذناب فرنسا" وأتباعها، بينما تخندق العلمانيون ضد قيادة الجيش، وكانوا معولا في يد الفرنسيين، وشنوا حملات عنيفة ضدها داخل الحراك الشعبي، بينما انقسم الإسلاميون على أنفسهم في لعبة الاصطفاف هذه، حيث تشكك بعضهم في نوايا من يسمونهم "العسكر"، وفي مخيلتهم ما حدث في الجزائر بداية التسعينيات من انقلاب عسكري ضد خيارات الشعب، في حين ساندها آخرون، والتزم بعضهم الحياد، ما أدى إلى صراعاتٍ مريرة داخل الحراك نفسه، بين مؤيد خريطة طريق الجيش ورافض لها، أو بشكل آخر بين من هو مع الجيش ومن هو مع فرنسا، على الرغم من وجود نخب مستقلة رفضت هذا النوع من 
الاصطفاف الذي تراجعت فيه قيم الحرية والديمقراطية إلى المرتبة الثانية.
وطوال أكثر من عام من عمر الحراك الجزائري، كانت ظلال فرنسا باديةً عبر إعلامها وأدواتها المحلية، وبادية عبر شعارات كثيرة مرفوعة، ومنها التي طالبت بجنون برأس قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، و"بوضع الجنرالات في المزبلة"، وهو ما تسبب في انفراط عقد الحراك الشعبي، حيث انسحب الوطنيون بالملايين من الساحات من معظم المدن الجزائرية، وأعلنوا مساندتهم خريطة طريق الجيش، بقيادته الوطنية، في تنظيم الانتخابات الرئاسية، وهو ما تم، حيث شاركت تلك الجموع المؤمنة باسترجاع قيادة الجيش من أيدي أتباع فرنسا، والمتوثبة لفكرة القيادة الوطنية للجيش، في انتخاب الرئيس تبّون، على الرغم من المعارضة الكبيرة التي بقيت في الشارع للعملية الانتخابية من خلال ما تبقى من الحراك، ليظهر على إثرها الموقف الفرنسي الحقيقي من خلال رفض تقديم التهنئة للرئيس الجديد، ثم الشروع في حملات إعلامية منظمة كما حاصل اليوم، ضد سلطة العهد الجديد.
وعلى الرغم من أن فرنسا حاولت استدراك تأخرها في تهنئة القادم الجديد إلى قصر المرادية، بإرسال وزير خارجيتها، جان إيف لودريان، إلى الجزائر، ومحاولة دغدغة المشاعر بملف الذاكرة، استنادا إلى تصريحات ومواقف قوية سابقة لماكرون، كان قد سمى خلالها استعمار الجزائر "جريمة ضد الإنسانية"، مقرا باستخدام بلاده التعذيب في مواجهة الثورة الجزائرية، ووصل به الحال إلى اعتباره أن لحرب الجزائر "وضعا تقريبا كوضع المحرقة النازية"، غير أن ذلك لا يبدو أنه كاف لسد كل الذرائع، ففرنسا مهما حاولت أن تتجمل حيال رؤيتها الجزائر المستقلة، ومهما حاولت أن تبدو إنسانية، متفهمة وودودة، لا يمكنها أن تتخلص من عقدة الهيمنة الاقتصادية والثقافية للجزائر، التي كانت تعدها قبل ستين سنة فقط "جزءا لا يتجزأ من فرنسا"، وليست بلدا محتلا، ومارست معه استعمارا استيطانيا 132 سنة، لا يختلف عما تقوم به ما تسمى "إسرائيل" في فلسطين اليوم، لا يمكنها أن تتخلى بسهولة عن الفكر "الإلحاقي" للجزائر، واعتبارها دولة "تابعة".. الأمر الذي يرفضه الشعب الجزائري بشدة، منذ حرّر 
الأرض بضريبة غالية من الدم، ويريد أن يحرّر اليوم العقول والإرادة.
هذا التنازع بين إرادتي التحرر والإلحاق (والتبعية) هو الذي يواصل التحكّم في العلاقات بين البلدين. بالنسبة لفرنسا، لا يمكن التفريط في جنتها المفقودة بشكل كامل. الثقافة واللغة الفرنسيتان بالنسبة لباريس التي دعمتها بشكل كبير في زمن بوتفليقة قد تكون أهم وأغلى حتى من صفقة "توتال" الضائعة ومصالحها الاقتصادية الضخمة الأخرى. ولذلك تصر فرنسا التي تمتلك أذرعا تمتد بعيدا في مفاصل الدولة الجزائرية، وحتى ضمن شريحة من الجزائريين عبر دعمها المستمر للدعوات الانفصالية والنزعة البربرية، على أن تصنع هي رؤساء الجزائر. ويحدثنا التاريخ كيف وقفت فرنسا ضد إرادة الشعب الجزائري وضد نتائج الصندوق في التسعينيات، عندما لم تأت النتائج بما تشتهيه باريس، حرّكت جنرالاتها داخل الجيش من الطابور الخامس، وقامت بانقلاب على الشرعية، وها هي اليوم منزعجة وتحيك المؤامرات، لأنها على ما يبدو لم يكن لها يد في صناعة الرئيس الجديد، بعد أن أزيحت قيادات الجيش الموالية لها، وفشلت النخب المرتبطة بها، داخل الحراك ومؤسسات الدولة، أقله إلى الآن، في فرض رؤيتها وتصورها للجزائر الجديدة.
كانت فكرة استدعاء السفير الجزائري من باريس قبل اليوم طوباوية ومستبعدة، غير أن المتغيرات التي حصلت على هرم الدولة جعلتها ممكنة، بل هي في حدّها الأدنى، على اعتبار أن الرأي العام يطالب بما هو أكثر، لكن هذه المتغيرات لن تصل، في كل الأحوال، إلى حد قطع العلاقات بين البلدين، مهما كان حجم الخلافات، فزيادة على العلاقات التاريخية المرتبطة باتفاقيات إيفيان بين البلدين (اتفاقيات بين حكومة جبهة التحرير الوطني المؤقتة والدولة الفرنسية العام 1962 وأفضت إلى الاعتراف باستقلال الجزائر عقب أكثر من سبع سنوات من الثورة، وتتضمن بنودا علنية وسرية)، فإن حجم التبادل التجاري مع فرنسا الذي يضع الجزائر في المرتبة الأولى عربيا، ووجود جالية جزائرية ضخمة في حدود ستة ملايين يتوزعون على أربعة أجيال، تجعل القطيعة في غاية الصعوبة، حتى أن الأصوات التي ارتفعت في الجزائر بطرد السفير الفرنسي، في أعقاب اكتشاف مؤامرة محاولة إطاحة قيادة الجيش بداية العام الماضي، تم كبحها في حينه، باعتبارها دعوات عاطفية لا أكثر، على الرغم من الأجواء الثورية التي سادت آنذاك.
لكن يحدث ألا تتوقف الأطماع الفرنسية، على الرغم من كل هذا عند حدود اللمز والغمز
 الإعلاميين، وقد سكنتها هواجس (اقتصادية) لاكتساح الصين السوق الجزائرية على حساب المنتجات الفرنسية، وأخرى (ثقافية) لاحتمالية حسم القيادة الجزائرية موضوع التدريس باللغة الإنكليزية في الجامعات، على حساب الفرنسية، الأمر الذي لا يمكن معه قراءة التدخل الفرنسي في ليبيا منفصلا عن مصالحها الاستراتيجية في الجزائر، والتي يحدث أيضا أن يكون في وسعها هي أيضا الرد الموجع، ليس فقط عبر انخراطها في "مبادرة طريق الحرير الصينية"، بكل أبعادها في رسم التكتلات والأحلاف الجديدة، وإنما عبر ما هو أكثر إيلاما لفرنسا التي تترنح حضاريا، وتتآكل قواها الناعمة في المنطقة، عبر التهديد بمسح امتدادات فرنسا الثقافية داخل الجزائر، من خلال التلويح بقراراتٍ معدّة سلفا وموجودة داخل الدرج، تخص تفعيل ملف "تجريم الاستعمار"، و"تجريم استعمال اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية"، وإعادة بعث "قانون تعميم استعمال اللغة العربية".. وهي صواريخ ثلاثة عابرة للقارات والمجرّات.
من قال إن ثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي قد انتهت؟
تعليق: