الجزائر... عودة "عقارب الصحراء"

الجزائر... عودة "عقارب الصحراء"

07 يونيو 2018
الصورة
من المبكر الحكم على النجاح الأمني والاستخباراتي بالجنوب(العربي الجديد)
+ الخط -

على وقع التوترات في شمال مالي والنيجر على حدود الجزائر، يبدو أنّ خطة جديدة للجيش الجزائري للتعامل مع المسلحين في المنطقة الجنوبية بدأت تؤتي ثمارها، حيث تشهد هذه المنطقة القريبة من مناطق شمالي النيجر ومالي، عودة لافتة لعناصر التنظيمات المسلحة واستسلامهم للجيش، بشكل يطرح أسئلة عن خلفيات وظروف عمليات الاستسلام هذه، وملابسات نجاح الاستخبارات الجزائرية في إقناعهم بذلك، في مقابل استمرار محاولات تنظيم "داعش الصحراء" إيفاد عناصر استطلاعية إلى داخل الجزائر، تمهيداً لتنفيذ تهديدات سابقة كان أطلقها ضد الجزائر.

وتكشف تقارير أمنية جزائرية وجود خطة اتصالات بين السلطات و"إرهابيين"، بينهم قيادات بارزة في "كتيبة الصحراء" التابعة لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، والقادة الجزائريين في تنظيم "أنصار الإسلام" الذي يقوده الدبلوماسي المالي السابق، إياد غالي، والمتمركزان في مناطق شمال مالي، وكذلك بقايا عناصر تنظيم "حركة أبناء الجنوب من أجل العدالة"، لإقناعهم بالعدول عن العمل المسلّح، والاستفادة من تدابير العفو التي يتضمنها قانون المصالحة الوطنية الصادر عام 2005.

وتؤكد مصادر أمنية تتابع الملف، لـ"العربي الجديد"، أنّ هذه الاتصالات التي تتم عبر وسطاء، تشمل أسماءً بارزة في هذه التنظيمات، بينها نائب تنظيم "أنصار الإسلام"، يحيى أبو الهمام. وتشير المصادر ذاتها إلى أنّ "السلطات الجزائرية تحاول أن تفتح ثغرة كبيرة داخل هذه التنظيمات، عبر استقطاب القيادات البارزة والمؤثرة في العمل المسلح في الصحراء والساحل، وهي ترغب في تكرار إنجاز أمني كبير حققته عام 2006، عندما نجحت في إقناع زعيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال حينها، حسان حطاب، بتسليم نفسه ووقف نشاطها، رغم تزامن ذلك مع عمليات دامية نفّذها التنظيم في تلك الفترة".

وتكشف المصادر الأمنية أنّ "أولى ثمرات هذه الخطة كانت استسلام أ. مولتافة، المكنّى بـ(أبو عيسى)، والذي يعدّ من قيادات الصف الأول في التنظيمات الإرهابية في الصحراء والساحل منذ عام 2015"، مشيرةً إلى أنّ السلطات الجزائرية "تحاول استغلال الظروف المناسبة حالياً، بعدما توصّلت إلى اتفاق مع الجيشين المالي والنيجري والقوات الفرنسية التي تدير قوة مجموعة الخمسة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، تشاد وفرنسا)، يتعلّق بتوفير ممرٍ آمن للإرهابيين الذين يرغبون في تسليم أنفسهم للجيش الجزائري على الحدود".

ويعدّ تزايد عودة "عقارب الصحراء" المسلحة إلى الجزائر وتسليم أنفسهم بشكل متتالٍ للسلطات، نجاحاً نسبياً لهذه الخطة، وإحداث نزيف حاد داخل تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" والتنظيمات الأخرى الناشطة في الصحراء والساحل، إذ سلّم ثمانية عناصر أنفسهم دفعة واحدة للجيش في منطقة تمنراست، أقصى جنوبي الجزائر، بين 22 و23 مايو/ أيار الجاري، بينهم عناصر وصفتهم وزارة الدفاع الجزائرية بـ"الخطرين". ويرتفع بذلك عدد الذين سلموا أنفسهم لقوات الجيش منذ بداية شهر إبريل/ نيسان الماضي إلى 25 شخصاً في المنطقة الجنوبية من الصحراء، إضافة إلى اعتقال أربعة آخرين في المنطقة ذاتها.


وإذا كانت النداءات الأخيرة التي وجّهتها قيادة الجيش للمسلحين الناشطين في صفوف الجماعات لتسليم أنفسهم لها، مقابل الاستفادة من قانون المصالحة الوطنية، شكّلت نجاحاً للجيش الجزائري في قطع تموين المجموعات المسلحة في شمال مالي عبر المهربين وشبكات تهريب المواد الغذائية والتموينية والوقود، فإنّ محلّلين أعادوا توالي عمليات الاستسلام ونجاح الجيش في استدراج 25 إرهابياً وتحييدهم عن العمل المسلح، إلى إمساك جهة وحيدة في السلطة في الجزائر بجهاز الاستخبارات، منذ منتصف عام 2016، بعد إعادة هيكلة الجهاز، وبعد عقود عمل فيها الجهاز الأمني من دون العودة إلى السلطة السياسية والعسكرية في الملفات الأمنية، وملف مكافحة الإرهاب.

وفي هذا الإطار، يرى المحلّل والباحث في الشؤون السياسية والأمنية، ميلود ولد صديق، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "العامل الأمني في منطقة الجنوب سيظلّ الشغل الشاغل للحكومة الجزائرية، وكثرة الإرهابيين التائبين تأتي في سياق الخطط الأمنية القائمة على التنسيق مع دول الجوار، في إطار مكافحة الإرهاب في دول الساحل الأفريقي". لكنه يشير إلى أنّ "التغييرات التي تمت في أعلى هرم السلطة ووضع الملف الأمني في قبضة جهة واحدة بعدما كان اتخاذ القرار الأمني موزعاً بين جهات متعددة، ساهم في الإنجازات الأخيرة"، معتبراً أنّ "إمساك الرئاسة بجهاز الاستخبارات ساعد في وضوح الرؤية والاستبصار في معالجة الملف الأمني".

وإضافة إلى ما سبق، فإنّ عدداً من المتابعين لتطوّر الملف الأمني في منطقة الجنوب خصوصاً، ولا سيما في ما يتعلّق بمكافحة الإرهاب وصعوبة المنطقة والتوترات المحلية في شمالي مالي والنيجر والتدخل الأجنبي، يعتقدون أن "المجهود الجزائري الذي أثمر استعادة عدد من المسلحين، يدخل في سياق عمل استباقي، تستهدف الجزائر من خلاله إنهاء الملف الأمني في منطقة الجنوب، والحذر من أي تداعيات مستقبلية لتطور الأوضاع في مناطق شمالي مالي والنيجر، خصوصاً مع تزايد المواجهات بين تنظيم "أنصار الإسلام" و"داعش" الصحراء من جهة، والقوات الفرنسية وقوات "مجموعة الخمسة" من جهة أخرى، في الفترة الأخيرة.

وفي هذا السياق، يرى الباحث وليد سعودي، المتخصّص في متابعة هذا الملف، الذي أصدر دراسة عن "الحروب التمزيقية"، أنّ "التحرّك الجزائري باتجاه استعادة المسلحين من مناطق شمال مالي والصحراء وإقناعهم بالاستسلام، يظهر أنّ الجزائر مدركة فعلاً أنها قد تكون الهدف التالي لحرب تمزيقية في منطقة الساحل"، مضيفاً في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "الجزائر تسابق الزمن من أجل كسب المعركة الأمنية في منطقة الجنوب، كون التقديرات السياسية تطرح مخاوف من حركة إطباق على المنطقة، وعودة القوى الاستعمارية، ومن أن يكون الجنوب بوابة للاستهداف في ظلّ تقاطع المصالح وصناعة الإرهاب بمختلف أشكاله، وخصوصاً أنّ الوضع الاقتصادي في الجنوب الجزائري ظلّ متردياً منذ عقود، وضرْب الجزائر عبر جنوبها مطروح بقوة".

لكنّ سعودي يشير إلى أنه "من المبكر الحكم على النجاح الأمني والاستخباراتي في الجنوب وإنهاء التهديدات الأمنية". ويقول "أعتقد أنّ العملية لا تزال قيد التطبيق الميداني، والحكم بالنجاح الاستخباراتي من عدمه لا يزال مبكراً"، مضيفاً: "غير أنّ ما يعاب على مخرجات المصالح الأمنية هو كثرة الترويج لاستسلام الإرهابيين وتسليم أنفسهم في الجنوب الجزائري"، واصفاً الأمر "بالدعاية الحربية المبالغ فيها". ويشير سعودي إلى أنّ "الحلّ والمعالجة الأمنية البحتة غير كفيلة بضمان النجاعة القصوى لاستمرار الأمن في مناطق الجنوب".

وإذا كان لافتاً تحوّل السياسة الإعلامية للجيش بشأن الإخبار المستمر عن توالي استسلام "الإرهابيين" في الجنوب، فإن قراءات تقود إلى الاعتقاد بأنّ الجيش يستهدف أيضاً الجانب الردعي، لإظهار قدرته الفعلية على تأمين ممرات آمنة للراغبين في تسليم أنفسهم من جهة، وتحكّمه في منطقة الجنوب والحدود، من جهة أخرى. وكذلك لمنع أي محاولات للمجموعات المسلحة لتنفيذ اعتداءات ضد أهداف داخل الحدود الجزائرية، خصوصاً بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها تنظيم "أنصار الإسلام" باستهداف الشركات الأجنبية العاملة في منطقة الساحل وشمال أفريقيا. ولعلّ إعلان الجيش الجزائري عن اعتقاله لمسلّحيْن أجنبيين تسللا إلى الجزائر الأسبوع الماضي، هما أودادة موسى والمهدي آغ إنتالا (لم يذكر جنسيتهما)، يأتي في هذا السياق، إذ يرجّح أن يكون هذان العنصران قدما بمهمة استطلاع وأرسلتهما التنظيمات للاستكشاف والتخطيط لتنفيذ عمليات ضد أهداف داخل التراب الجزائري.

أخيراً، وبقدر ما تمثّل عودة "عقارب الصحراء" من المسلحين الجزائريين النشطين في تنظيمات "إرهابية" لمنطقة الساحل، نجاحاً أمنياً بالنسبة للسلطات الجزائرية، بقدر ما تتجدّد المخاوف من استمرار التهديدات المتأتية من وراء الحدود وخلف تخوم الرمال المتحركة في شمال مالي والنيجر.

المساهمون