الجزائر: خشب قديم وسفينة

03 يونيو 2020
الصورة
لم تتحقق جيمع مطالب المحتجين (فاروق بطيش/فرانس برس)
في الرياضة ثمة قاعدة تقول إنه "لا يمكن تغيير الفريق الذي يفوز"، وهي قاعدة تطبّقها السلطة في الجزائر، وهي من الأدوات التي مكّنتها من الاستمرار في الامساك بالبلد، منتهجة في مسار تعديل الدستور النهج نفسه الذي اعتمدته كل السلطات في الدساتير السابقة. واتخذت السلطة تدابير الإرهاق الاجتماعي نفسها في قانون الموازنة واعتمدت مناهج التضييق على الحريات نفسها، وهي الآن تتهيأ أيضاً لاعادة تنظيم صفوف حزبيها الأكثر جاهزية للاستخدام السياسي: جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي.

بالمعنى التنظيمي والديمقراطي لا مشروع سياسياً للحزبين، عدا توفير الاسناد اللازم للسلطة، مهما كانت ومهما كان خيارها، فهما مجرد جهازين سياسيين تتحكم السلطة في إدارتهما وفي اختيار قياداتهما على الدوام، ومع اعتماد التزوير المستمر في الانتخابات لا يمكن معرفة الوزن التمثيلي الحقيقي لهما. وكما حدث في العراق في مسألة اجتثاث البعث، وفي تونس من حل للتجمع الدستوري، طالب الجزائريون بحل الحزبين بسبب مسؤوليتهما السياسية عما انتهت إليه البلاد. في الواقع هناك أكثر من مبرر ليحدث ذلك، فجزء كبير من قيادات ووزراء من هذين الحزبين في السجون وقيد الملاحقات القضائية.

بالنسبة لحزب جبهة التحرير الوطني، يأخذ مطلب حله بعداً تاريخياً، يتعلق بحق الأمة الجزائرية في امتلاك جماعي لهذا الرمز الثوري، لذلك لم يعد يجدر إبقاء هذا الرمز قيد الاستغلال السياسي وبين أيدي أشخاص يتلاعبون به. ولا يجدر إدخاله إلى المتحف، كما ينادي قطاع من الناشطين، لأن المتاحف للقطع الجامدة وجبهة التحرير ليست كذلك، بل هي قيمة متجددة ومحفزة للحفاظ على الاستقلال وعنوان ثوري مستمر ضد الكولونيالية والإقطاعية (الداخلية والخارجية). لذلك يجدر تكريمها في الدستور، كرمز من رموز الأمة المحاطة بالصيانة والحفظ كالعلم والنشيد ومعالم الهوية.

في الجزائر هناك مثل شعبي يقال بالفرنسية "تقدم إلى الوراء"، وفي التظاهرات الأولى للحراك برز شعار "لا يمكن بناء سفينة جديدة بخشب قديم"، كلاهما يدل على ذكاء وسخرية، فظاهر القرار السياسي والمعلن المقروء منه يوحي بأن السلطة تفعل ذلك تماماً، أي تتقدم إلى الوراء وتعيد ترميم السفينة المتهالكة بخشب قديم. ومعظم مكونات الحراك الشعبي، السياسية والمدنية، وسواء تلك التي التزمت الشارع حتى النهاية أو التي اقتنعت بخيار الانتخابات وشاركت فيه ودعمت المسار الانتخابي (كتلة 12/12)، ترصد بوضوح اتساع المسافة بين عناوين وتطلعات الحراك والمسار الحالي الذي تسلكه السلطة السياسية ولا تبدي اطمئناناً له. بل إن كتلة (12/12) نفسها تبدو أكثر قلقاً من المسار الحالي ومن أن يكون مؤداه العودة بالبلاد إلى ما قبل 22 فبراير/ شباط 2019. وقد قال أحدهم بعد المصادقة على قانون الموازنة الأخير، الذي تضمن زيادات ضريبية، إن "الرئيس وعدنا بمعرفة مكان الأموال المنهوبة، لكنه ذهب يبحث عنها مباشرة في جيوب المواطن".

يلقي البعض باللوم هنا على مكونات الحراك والمعارضة، بحجة عدم امتلاكها البديل ولا انتظامها بالشكل الذي يمكّنها من التأثير في سير الأحداث والتغيير. والحقيقة أن هذا الكلام يغفل عن أن الكثير من شباب الحراك منتظم أصلاً في أحزاب وملتزم فيها. كما تنتظم كتلة أخرى في المجتمع المدني، بل أسست كتلة ثالثة أطراً حزبية ومدنية جديدة، لكنها لم تحظَ بالترخيص من السلطة. وسبق أن طرحت قوى التغيير في أكثر من مناسبة أكثر من وثيقة ومشروع لانتقال ديمقراطي سلس، مع تقديمها مشاريع كثيرة للتنمية، أما إذا كان المقصود هو القدرة على الحكم، فمن في السلطة ليسوا بأكثر حكمة ولا الأجدر بإدارة الشأن العام.

تعليق: