الجزائر: توجّه نحو "حكومة أزمة" بخيارات مفتوحة

08 مايو 2017
الصورة
يتوقع البعض أن يقوم بوتفليقة بمشاورات رمزية (Getty)


ينتظر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إعلان المجلس الدستوري بعد أسبوع، عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية التي جرت الخميس الماضي، قبل أن يبدأ مشاورات مع قيادات الحزبين المشكّلين للأغلبية في البرلمان، "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديمقراطي"، لتعيين رئيس للحكومة وتشكيلتها، إذ يؤمّن الحزبان الثقة للحكومة بعد حصولهما على مجموع 261 مقعداً من مجموع 462 مقعداً في البرلمان. لكن بوتفليقة خسر مبكراً أية مشاركة لأحزاب المعارضة والإسلاميين، بعد إعلان إخوان الجزائر عدم مشاركتهم في الحكومة.
وتدل المؤشرات على اتجاه بوتفليقة إلى تشكيل حكومة تضم ثلاث كتل سياسية، تتكوّن الأولى من وزراء ينتمون إلى الحزبين المشكّلين للأغلبية البرلمانية، "جبهة التحرير" و"التجمع الديمقراطي"، وتتشكل الثانية من المستقلين التكنوقراط الذين سيشغلون القطاعات المتصلة بالأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد جراء تراجع واردات النفط، كالمالية والطاقة، وتتشكل الكتلة الثالثة والأقل في الحكومة من محسوبين على أحزاب فتية تدعم بوتفليقة ومقربين من التيار الإسلامي. وتنص المادة 19 من الدستور الجديد المعدل في السادس من فبراير/شباط 2016، على إجراء الرئيس الجزائري مشاورات مع الأغلبية البرلمانية بشأن تعيين رئيس الحكومة وتشكيلتها. غير أن مراقبين يعتقدون أن بوتفليقة سيقوم بمشاورات رمزية استيفاء للشروط الدستورية التي تلزمه بإجراء مشاورات مع الأحزاب المشكّلة للأغلبية البرلمانية، من دون أن يكون للحزب الفائز في الانتخابات إمكانية فرض اسم معين لرئاسة الحكومة، أو لأحزاب السلطة المعنية بالمشاركة في الحكومة أية شروط تفرضها على بوتفليقة، الذي سيقرر كما جرت العادة وحده شكل وطبيعة الحكومة المقبلة وخياراتها.
ورأى المحلل السياسي أحسن خلاص، أن "الرئيس بوتفليقة سيقوم بهذه الخطوة رمزياً، إذا عرفنا أنه هو نفسه رئيس الحزب الفائز بالانتخابات، جبهة التحرير الوطني، وصاحب سلطة على الحزب الثاني، التجمع الوطني الديمقراطي".
وخلال أسبوعين ستكون الجزائر مع موعد تعيين سابع رئيس حكومة منذ استلام بوتفليقة الحكم عام 1999، إذ تداول على رئاسة الحكومات منذ ذلك التاريخ كل من اسماعيل حمداني وأحمد بن بيتور وعلي بن فليس وعبد العزيز بلخادم وأحمد أويحيى وأخيراً عبد المالك سلال الذي يقود الحكومة منذ سبتمبر/أيلول 2012. وتشير التوقعات إلى إمكانية تشكيل حكومة أزمة ذات طابع تكنوقراطي بالنظر إلى الطابع الاقتصادي للمرحلة. وبرأي خلاص فإن "ضعف نسبة المشاركة تجعل الرئيس غير مضطر إلى تشكيل حكومة سياسية، ولذلك اعتقد أننا ذاهبون إلى حكومة تكنوقراط"، معتبراً أن بوتفليقة "لن يشكّل حكومة تنسجم بالضرورة مع التطلعات الشعبية، وما يهمه في الوقت الحالي هو تمتين العلاقة مع القوى الصاعدة الجديدة في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية".
من جهته، رأى محلل الشؤون السياسية في صحيفة "الخبر" الجزائرية حميد غمراسة، أنه من الوارد أن يُبقي بوتفليقة على رئيس الحكومة الحالي عبد المالك سلال، بحكم قربه من الحزب الفائز في الانتخابات "جبهة التحرير"، وحصوله على إجماع لدى أحزاب السلطة التي تُقدّر أن أداءه السياسي والاقتصادي كان ناجحاً في المرحلة الأخيرة، بخلاف المعارضة التي تعتبره أفشل رئيس حكومة في تاريخ البلاد.
لكن قيادات أحزاب السلطة الأربعة استبقت المشاورات الرئاسية، وعرضت نفسها للمشاركة في الحكومة في إطار تحالف سياسي لدعم خيارات بوتفليقة. وأعلنت قيادة حزب "جبهة التحرير الوطني" الفائز بالانتخابات بحصوله على 164 مقعداً، أنها منفتحة على كل التحالفات في الحكومة بما فيها التحالف مع "التجمع الوطني الديمقراطي"، الحزب الرديف للسلطة الذي يقوده مدير الديوان الرئاسي أحمد أويحيى، على الرغم من مناوشات كلامية حدثت بين قيادات الحزبين خلال الحملة الانتخابية. وقال الأمين العام للجبهة جمال ولد عباس، في تصريح صحافي أعقب إعلان النتائج: "نحن منفتحون إزاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي أو أي حزب لعقد تحالفات، ونحن سنقبل بأية تحالفات سياسية في الحكومة، وشرطنا الأساسي في التحالفات حول البرنامج"، في إشارة منه إلى برنامج بوتفليقة الذي يدعمه الحزب وجدد تبنّيه خلال الحملة الانتخابية.
من جهته، قال الأمين العام لـ"التجمع الوطني الديمقراطي" أحمد أويحيى، الذي حصد حزبه 97 مقعداً نيابياً، إن حزبه سيخدم الوطن من أي موقع، مشيراً إلى أن "التجمع سيشارك في الحكومة المقبلة في إطار تحالف وطني يساهم في تعزيز استقرار البلاد وتأمينها من أية مخاطر وهزات مستقبلية، ومواصلة مسار التنمية".


وفي السياق أعلن رئيس حزب "تجمع أمل الجزائر"، المنشق عن إخوان الجزائر والحائز على 15 مقعداً في الانتخابات، عمار غول أنه "يدعم تشكيل حكومة وحدة وطنية لتجاوز كل المخاطر المحدقة بالبلاد في ظل أزمة انهيار أسعار النفط"، مشيراً إلى أن "هذه الخطوة من شأنها تعزيز الاستقرار الذي تنعم به البلاد". كما قالت "الحركة الشعبية الجزائرية" التي يقودها وزير التجارة السابق عمارة بن يونس، والمنشقة عن "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، وحصلت على 13 مقعداً نيابياً، إن "حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي يشكلان الأغلبية البرلمانية ولن يكونا بحاجة إلى أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة، لكن الحركة مستعدة للمشاركة في التحالف الحكومي إذا عُرض عليها ذلك".
لكن بوتفليقة قد يحاول تكرار "إنجازه السياسي" الذي حققه عام 1999، عندما نجح في تشكيل حكومة تضم تحالفاً من سبعة أحزاب سياسية إسلامية ووطنية وديمقراطية. وفيما يُرجَح أن تُشكّل الحكومة من الحزبين الرئيسيين، "جبهة التحرير" و"التجمع الديمقراطي"، تذهب بعض التوقّعات إلى إمكانية استدراج بوتفليقة للتحالف الإسلامي الثاني الذي دخل الانتخابات بتكتل ثلاثة أحزاب توحّدت في حزب واحد، هي "جبهة العدالة والتنمية" بقيادة المعارض عبدالله جاب الله، وحركة "النهضة"، وحركة "البناء" المنشقة عن إخوان الجزائر، للمشاركة في الحكومة، على أساس توجهات بعض قيادات حركة "البناء" ورغبتها المسبقة في المشاركة في السلطة من أي مستوى كان، وهو ما يتعارض بشكل كامل مع المواقف الراديكالية لجاب الله. لكن المحلل السياسي حميد غمراسة تخوّف من أن تكون هذه المسألة الخلافية النقطة التي قد تهدد مسعى استكمال اندماج الأحزاب الثلاثة في حزب إسلامي واحد، خصوصاً بعد إعلان القيادي في التحالف الاسلامي المقرب من دوائر السلطة حسن عريبي أن " قضية المشاركة في الحكومة ستناقش مع قادة الاتحاد".
ولا تبدو السلطة بحاجة إلى تواجد إسلامي في الحكومة، عدا ما يتعلق بمحاولتها إعطاء الفريق الحكومي طابع التشكيل الجامع للقوى الوطنية في الجزائر، بما في ذلك إمكانية لجوئها لتعيين مستقلين محسوبين على التيار الإسلامي، بعدما أعلنت حركة "مجتمع السلم" التي تمثل إخوان الجزائر عدم المشاركة في الحكومة. وكانت الحركة قد عرضت عشية الانتخابات تشكيل حكومة وحدة وطنية، بشرط إجراء انتخابات نزيهة، فيما عزت الحركة لاحقاً رفضها المشاركة بالحكومة إلى ما اعتبرته تزويراً فاضحاً للانتخابات وتقليص مقاعدها، إذ حصلت على 33 مقعداً، بنقصان 15 مقعداً مقارنة مع انتخابات 2012. وقال رئيس "مجتمع السلم" عبد الرزاق مقري، إن الحركة "لن تشارك في الحكومة، لقد قررنا المقاومة السياسية ونحن موجودون في الساحة، نحن القوة المعارضة الأولى في البلد وسنتعامل بكل مسؤولية مع هذه القوة التي لدينا، ونعاهد الشعب أننا سنكون مع قضاياه، ونحن في موقع جيد للقيام بدور المعارضة بكل أريحية لخدمة بلدنا". كما أعلن حزبا "جبهة القوى الاشتراكية" وحزب "العمال" اليساري رفضهما المشاركة في الحكومة، في انسجام مع مواقفها السياسية باعتبارهما أكثر الأحزاب راديكالية في الاعتراض على سياسات الحكومة الجزائرية.