الجزائر... العربة قبل الحصان

16 سبتمبر 2020
الصورة
السلطة لم تسمح للبرلمان بمناقشة مسودة الدستور (مصعب رويبي/الأناضول)

بدءاً من اليوم، 16 سبتمبر/ أيلول، تطرح مسودة الدستور للنقاش السياسي والمجتمعي في الجزائر. تقول الحكومة هذا، وتعلن عن حملة لشرح وتفسير الدستور ومناقشة مضمونه. والحقيقة أن هذا المشهد يصلح توصيفه فعلاً بأنه "وضع العربة قبل الحصان".
وثيقة بحجم دستور بلد، لما بعد ثورة شعبية سلمية، كحراك 22 فبراير/ شباط 2019، يعيد التأسيس لتنظيم السلطات والعلاقات الوظيفية بين المؤسسات والحريات العامة والخاصة، ويحدد ضوابط العمل السياسي والمدني، ومختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كان يفترض أن تأخذ الوقت الكافي من النقاش في الفضاءات المختلفة، والمساحة الوافية من الطرح الفكري والمشاركة المفتوحة، بحثاً عن دستور أكثر تمثيلاً للحالة الجزائرية ومقتضياتها.
لن يكون هناك أي معنى لنقاش مجتمعي حول دستور لا يغير منه نقطة أو فاصلة، (المسودة أصبحت نهائية بعد مصادقة البرلمان عليها). في الحقيقة تقصد السلطة بذلك حملة شرح لنصها الدستوري فقط وإبراز محاسنه، وقد بدأت في ذلك مبكراً. حتى رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات محمد شرفي، الذي يفترض أن يكون دوره تنظيم الاستفتاء دون إبداء موقف بالسلب أو الإيجاب، نسي نفسه وانخرط في حملة مدح الدستور. وهنا يصبح الأمر مختلفاً بين وضع النص للنقاش وبين شرحه على سبيل المثل الجزائري الذي يقول "هذا هو القماش ادي (خذ) ولا خلي (أو اتركه)".
السلطة استعجلت كثيراً تمرير الدستور لحاجة لها. وحتى البرلمان، ذو الأغلبية الموالية للسلطة، لم ترد منحه فرصة مناقشة مسودة الدستور. وحرمت بذلك الجزائريين من لحظة ديمقراطية تاريخية فاتتهم عام 1989، وفوتت على البلد فرصة فتح نقاش مجتمعي كان سيعزز الكثير من القيم، ليس أقلها الاستثمار ورسملة الانخراط السياسي الذي أبداه المجتمع خلال فترة الحراك الشعبي بعد استقالة دامت ثلاثة عقود، وتكريس قيم الحوار السياسي. وكان ذلك سيبقي هامشاً أكبر للأمل في التغيير، ويعطي للمجتمع الثقة والمسؤولية في ذلك.
جزء من الإحباط، الذي أصاب قطاعاً واسعاً من العاملين بالحقل السياسي في الجزائر، بعد فيض أمل لاح في الحراك، ليس فقط عودة الحكومة إلى الممارسات واستدعاء خطاب المؤامرة في علاقة بأزمات اجتماعية لها أسباب تقنية (أزمة السيولة وغيرها)، ولكن بشكل خاص بسبب الطريقة التي أعد وصيغ بها هذا الدستور، عبر لجنة معينة لم تمثل كل الأسر السياسية والمدنية، ثم تمريره إلى البرلمان بشكل متعسف. وأخيراً الطريقة التي تعتزم السلطة بها تمريره للنقاش وفي الاستفتاء لاحقاً. كل ذلك هو تكريس واضح للانفراد بالسلطة والحكم المفرد، برغم أن العنوان السياسي الأبرز للدستور هو صيانة البلد من الانحراف إلى الحكم الفردي، ناهيك عن أنه فتح الباب واسعاً لعودة الممارسات نفسها التي كانت في عهد الرئيس السابق، باستخدام أحزاب ومنظمات تمثل فلولاً لمجموعة الحكم السابقة، وكأن شيئاً لم يكن.
قياس المسافة بين طموحات وتطلعات الجزائريين، المُعبر عنها في حراك 22 فبراير، إلى انتقال ديمقراطي يتأسس على مشاركة سياسية واسعة وعلى استقلالية المؤسسات والفصل بين السلطات، وبين النص الدستوري الذي يطرحه الرئيس عبد المجيد تبون، يبين أن الجزائر بصدد تفويت فرصة أخرى، تاريخية ربما.