الجزائر: العبرة بالمخرجات

15 يناير 2020
الصورة
على المعارضين الضغط لجزائر جديدة (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

 

 

كان المطلوب دائماً في الجزائر الحوار "المُلزم" والمسؤول بين السلطة وبين الرموز والمرجعيات والمكونات السياسية والمدنية، حاملة التصورات الإصلاحية والتقدمية، والملتزمة بالمشروع الديمقراطي والمتمسكة أيضاً بضرورة انتهاء كل خطوات الإصلاح الدستوري والسياسي إلى إطلاق مسار تغيير شامل في بنية النظام، ومنظومة الحكم والعلاقات الوظيفية بين المؤسسات، واستبعاد كل تأثير للجيش في صناعة القرار والخيارات السياسية مستقبلاً.

واتفقت تلك القوى على أن تبقى هذه الغايات ولائحة المطالب المركزية للثورة الشعبية قائمة، كعناوين كبرى منذ فبراير/شباط الماضي، والهدف المركزي الذي يتم على أساسه تقييم أي خطوة ومسعى مستقبلاً. بالتالي، تبدو النوايا السياسية الآن أكثر حضوراً عند طرفي المعادلة السياسية في الجزائر، كتلة التغيير المطالبة بالحق الديمقراطي والدولة الجديدة، والسلطة ممثلة في الرئيس عبد المجيد تبون.

المسار الثوري للتغيير يتطلب قدرة على قلب المعادلة السياسية بالقوة، الأمر الذي لم يتوفر للثورة في الجزائر برغبة طوعية، إذ منذ اللحظة الأولى قرر الحراك الشعبي أن يكون سلمياً، وقررت السلطة والمؤسسة العسكرية، تجنّب اللجوء إلى العنف. وفي وضع كهذا يصبح متاحاً في المقابل، تطبيق المسار الإصلاحي الذي تتجاوز فيه السلطة "حوار الصورة" إلى "حوار ملزم" يجعل من القوى المجتمعية شريكة في صياغة محددات التغيير ونصوص المرحلة.

بعيداً عن منطق غالب ومغلوب، يُمكن وصف اللقاءات التي باشرها تبون مع شخصيات ممثلة لمرجعيات أساسية من مكونات الثورة الشعبية، بـ"إعلان نوايا"، و"الخطوة الصحيحة"، لكن هذه اللقاءات لا ترقى إلى مستوى أن يمثل ضمانة مركزية بالنسبة للثورة الشعبية، لأن تبون نفسه قد يواجه مقاومة لأي مشروع إصلاحي من داخل النظام ذاته، لذلك فإن العبرة كلها بالمخرجات، والحكم على ما يأتي من خلالها فقط.

يتحمّل النظام مسؤولية أزمة الثقة التي خلّفتها ممارساته منذ عقود، ولذلك تعتقد مكونات الحراك أنه مهما كان شكل الحوار السياسي المتبنى، إلا أن ذلك لا يعني منحه صكّا على بياض، والاستمرار في التحفيز الشعبي والسياسي يبقى ضرورة تقتضيها معادلة "الثورة والمنجزات". من المهم بمكان ما إدراك أن لحظة وملابسات تأسيس النظام السياسي في الجزائر بعد الاستقلال وانقلاب يونيو/حزيران 1965، كانت لحظة مؤسسة لما جاء بعدها من عقود سياسية، ظهرت فيها الفوارق والتناقضات والتداخل بين مؤسسات الحكم، ولم تؤسس ديمقراطية حقيقية، وهو ما يستوجب إدراك مخرجات اللحظة السياسية الراهنة، سيمتد أثرها وتأثيرها إلى ما يأتي من عقود، فإما أن تؤسس لجزائر ديمقراطية أو تلوّن الخراب السياسي فقط.

 

المساهمون