الجزائر... الشياطين تطرد الملائكة

02 أكتوبر 2019
الصورة
كان الشباب يعوّل على الحراك للوصول لحياة أفضل(العربي الجديد)
في الجمعة الثانية من الحراك الشعبي الجزائري في مارس/آذار الماضي، رفعت مجموعات من الشباب شعاراً حظي بكثير من الانتباه والتحليل، وكان يعبّر بعمق عن انبعاث روح الأمل لدى الشباب الذي كان مهووساً بالهجرة والهجرة السرية إلى الخارج، يقول الشعار "نبقاو هنا ما نحرقوش، فقنا وباصيتو بينا" (سنبقى هنا ولن نهاجر، استفقنا من غيبوبتنا وستعانون مع استفاقتنا).

مرّت أكثر من سبعة أشهر من الحراك بعثت الكثير من الأمل في إمكانية حياة أفضل وتصحيح السياسات، وكان اللافت فيها التوقّف التام لرحلات الهجرة السرية، وصولاً إلى الأسبوع الأخير الذي حمل معه أخباراً غير سارة، بترشح رموز نظام عبدالعزيز بوتفليقة للرئاسة، وهيجان قوارب الهجرة السرية التي تحمل دفعات جديدة من الشباب الذي قرر المخاطرة.

قد يكون من التعسف ربط عودة ظاهرة الهجرة السرية مع عودة رموز من نظام بوتفليقة إلى المشهد السياسي، وإقدام بعضهم بجرأة بالغة الوقاحة على الترشح للرئاسة (رئيس حكومة ووزير ثقافة سابق وآخرون)، لكن من المهم طرح أسئلة عن دوافع عودة الشباب الجزائري إلى ركوب قوارب الهجرة مجدداً بعد أشهر من الحراك، والإصرار على المخاطرة بما فيها إمكانية العودة في صندوق الموت، على المشاركة في الحياة السياسية عبر صندوق الانتخابات.
هذه الظاهرة التي استفحلت في العقد الأخير من حكم بوتفليقة، لم تعد إلا لأن الشباب الجزائري قد بدأ يفقد بعض الأمل في إمكانية حدوث التغيير المأمول، أو سبق فهمه أن النظام الذي حبس بعض رموزه، بصدد ترميم نفسه من الداخل، وإعادة إنتاج قواعد الحكم والسياسات نفسها، خصوصاً أن الجميع يفهم أن عودة شركاء بوتفليقة في صناعة الأزمة والفساد إلى المشهد من دون اعتذار، لم تكن لتحدث لو لم يكن هناك إيعاز رسمي، ويصب هذا الأمر مزيداً من اليأس في الكأس، ذلك أن عودة الشياطين تطرد الملائكة لا محالة.

قد لا يفقه الشباب الذي كان فاعلاً مركزياً في الحراك، كثيراً في التفاصيل السياسية وخطط الانتخابات، ولا يجتهد حتى في فهم المواقف وتفسيرها، لكنّ لديه حساً مرهفاً وصادقاً وذكاء جمعياً إزاء عثرات مقلقة في المسار الذي تتوجّه إليه البلاد، وثمة شعور لدى غالبية الجيل الشاب بأن هذا المسار يشوبه الشك والغموض ولا يتأسس على قواعد صحيحة، ومحكوم بالإخفاق عاجلاً أو آجلاً. أما تلك الفلسفة التي تزعم أن هذا الشباب متسرع في البحث عن حياة أفضل ويقصي نفسه من الحياة السياسية، فإن هذا الشباب نفسه كان الأكثر انخراطاً في السياسة، ووحده الذي نجح في تحرير فضاءاته وتحويل الملاعب إلى ساحة للخطاب والتعبيرات السياسية المناهضة والحاملة لرسائل مناوئة للنظام لعبت دوراً في إذكاء روح المطالبة الاحتجاجية، وعززت الشارع منذ تظاهراته الأولى، عندما أخفقت كل الفصائل السياسية والمجموعات المدنية المقاومة للنظام في تحرير فضاءاتها ومساحات نضالها.

الهجرة السرية وبغضّ النظر عن كونها خطأ وهروبا وتجاوزا للقانون لتحقيق طموح شخصي، فإنها أيضاً سلوك احتجاجي ومحاولة من شباب للإمساك بمستقبله بنفسه، فيما يختلف ميزان الكيل بشأن التغيير السياسي الحقيقي بين الشباب والأحزاب وباقي الطبقات المجتمعية، فتحسبه الأخيرة بالصندوق ونزاهة الانتخابات، ويحسبه الشباب بما هو أبعد من ذلك، وبالنسبة إليه حين تحضر الشياطين لا تجالسها الملائكة، وثمة فرق كبير بين أن تعيش، وبين أن تبقى على قيد الحياة.