الجزائر: السلطة تدخل حرباً مفتوحة ضدّ المعارضة والإعلام

الجزائر: السلطة تدخل حرباً مفتوحة ضدّ المعارضة والإعلام

27 يونيو 2016
الصورة
تتخوّف السلطة من مرحلة ما بعد بوتفليقة (بشير رمزي/الأناضول)
+ الخط -
تتجه السلطة في الجزائر إلى الإمساك بيد من حديد بمفاصل المشهد الإعلامي والسياسي، في خضم ترتيب مرحلة ما بعد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة. ويبرز ذلك بوضوح من خلال الحملة التي أطلقتها السلطة ضد الصحف والمؤسسات الإعلامية المستقلة والمعارضة لتوجهاتها، إضافة إلى سلسلة قوانين طُرحت على البرلمان للمصادقة عليها دون مناقشة جدية، خصوصاً أنها تتعلق بالانتخابات وتحييد العسكريين المتقاعدين عن أي نقاش سياسي.

وتشهد الجزائر، بشكل غير مسبوق، مناخاً متشنّجاً بين السلطة والمعارضة ووسائل الإعلام المستقلة، بعد إقدام السلطة، وبصورة متزامنة، على إعادة تمرير سلسلة من القوانين ذات العلاقة بالساحة السياسية والانتخابات، والتي رأت فيها المعارضة عودة إلى عهد القمع والتسلط السياسي من جهة، وتشديد الملاحقات والتضييق ضد وسائل الإعلام المستقلة من جهة أخرى.

وفي سياق حملة السلطة، مُنعت صحيفة "الوطن" المستقلة والمعارضة من الانتقال إلى مقرها الجديد الذي أنجزته في منطقة رويسو وسط العاصمة الجزائرية. وقبل أيام قليلة، اقتحمت الأجهزة الأمنية استوديو كان يجري فيه تصوير برنامج سياسي ونقدي تبثّه قناة "الخبر" المستقلة. كما أوقفت عملية تصوير برنامج "ناس السطح " السياسي الساخر الذي يتضمن شحنة حادة من السخرية السياسية على الرئيس بوتفليقة، والوزراء، والشخصيات السياسية، وقادة الأحزاب، والشخصيات العامة، وقراراتهم وسلوكهم السياسي والعام.

وتمّ، منذ يومين، إيداع مدير قناة "الخبر"، مهدي بن عيسى، ومنتج البرنامج رياض حرتوف، والمديرة المركزية في وزارة الثقافة الجزائرية مونيا نجاي، المكلّفة بمنح تراخيص التصوير، رهن الحبس. كما تمّ وضع رئيس مجلس "القناة"، زهرالدين سماتي، ومسؤولة دائرة المالية في القناة قيد المراقبة. وتضاف إلى هذه المضايقات قرارات سابقة تخص إغلاق قناة "الأطلس" عشية الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار 2014، وقناة "الوطن" قبل أشهر قليلة.

إزاء هذه الحملات، بدأت قوى المعارضة في إعلان مواقفها على ما وصفته بـ"الجنون السياسي"، والتفكير في الخيارات المتاحة. وأطلق إعلاميون وناشطون سياسيون مبادرة للمطالبة بوقف الاعتداء على الحريات في الجزائر. وتضمّن بيان المبادرة أنّ "الجزائر تعيش في المدة الأخيرة على وقع انتهاكات خطيرة للحريات والحقوق، وتوقيف قنوات وجرائد وبرامج تلفزيونية، وحبس ومتابعة صحافيين وحقوقيين ونشطاء من المجتمع المدني، والتضييق على النقابات والجمعيات والأحزاب، ومنع التظاهرات والتجمعات السلمية، وتمرير قوانين ترمي إلى تكميم الأفواه ومصادرة إرادة الشعب في التعبير عن حقوقه الأساسية، والاعتقال التعسفي لمستخدمي الإنترنت والمدونين. ودعت المبادرة إلى "التحرك لندقّ ناقوس الخطر والوقوف صفاً واحداً ضد ما تقوم به السلطة من تعسف، وضد الديكتاتورية والحكم الشمولي والاستبداد".





واستشعرت أحزاب سياسية معارضة خطورة المسار السياسي الذي تدفع السلطة البلد إليه، خصوصاً عبر إقرار سلسلة قوانين تحدّ من الحريات الفردية والسياسية، والتراجع عن المكاسب الديمقراطية التي حققتها الجزائر منذ منتصف التسعينيات، كقانون إلزام العسكريين المتقاعدين بواجب التحفظ، وتعديل قانون الانتخابات وفقاً للتعديل الدستوري الجديد، وقانون تنظيم غرفتي البرلمان. ويضاف إلى ذلك، مشروع القانون العضوي للهيئة العليا المستقلة للإشراف على الانتخابات، بما يسمح للسلطة التحكم في نتائج الانتخابات وإقصاء عدد كبير من الأحزاب من المشاركة فيها، التي لم تحصل على أكثر من 4 في المائة في آخر استحقاق انتخابي، وإلزامها بجمع التواقيع كما المرشحين المستقلين.

وعقد قياديون في أحزاب وكتل معارضة في البرلمان، مثل حركة مجتمع السلم، وجبهة التغيير، وحركة النهضة، وجبهة العدالة والتنمية، وحركة الإصلاح (أحزاب إسلامية)، وجبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال اليساري، وحزب الكرامة، مؤتمراً صحافياً، أعلنوا فيه "رفضهم للطريقة الاستعجالية التي تمت فيها برمجة مناقشة مشاريع قوانين تعد جدّ مهمة ومصيرية لمستقبل البلاد". وانتقدوا إقرارها" بشكل مجحف، من دون تمكين ممثلي الشعب من دراستها بطريقة مستفيضة وعميقة، بما يهدد المسار الديمقراطي والحقوق السياسية والحريات الأساسية في الجزائر".

وانتقدت الأمينة العامة لحزب العمال، لويزة حنوني ما اعتبرته "تراجعاً عن المبادئ الأساسية للديمقراطية والحريات التي كرسها التعديل الدستوري الجديد، وبصورة تصنع مزيداً من التلوث السياسي من خلال تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف هيئة مستقلة، وبعيداً عن أي ضغوط إدارية". بدوره، قال القيادي في حركة مجتمع السلم، ناصر الدين حمادوش: "هناك تراجع رهيب في مجال الحريات الأساسية السياسية والمدنية وحقوق الإنسان في الجزائر، وهو الواقع الذي يعبّر عن الدولة البوليسية والأمنية والوضع البائس الذي تعيشه الجزائر، إذ لا يتم فيه حتى احترام القوانين التي وضعتها هذه السلطة المفلسة"، على حدّ تعبيره.

وأضاف حمادوش أنّ "السلطة لم تترك فرصة للنضال السياسي السلمي القانوني، وهي من يشجع على النشاط خارج إطار قوانين الجمهورية، وهي من يدفع نحو الاحتقان واليأس، واستدعاء نماذج الربيع الدموي. إنه التدمير الممنهج للعمل السياسي، ولن تجد هذه السلطة من الوسائط السياسية والمجتمعية من يؤطر هذا الشارع في لحظة الانفجار الشعبي نتيجة الإخفاق في التنمية وسياسات القمع للحريات".

وأشار إلى أن "السلطة أغلقت كل فرصة للنقاش السياسي، إذ لا توجد فرصة للتنافس بين الأحزاب على أساس البرامج والأفكار والمشاريع، بسبب التزوير ومنطق المال السياسي الفاسد، وهو ما يكرسه التعديل الدستوري الأخير بالتراجع عن المكاسب السابقة، والتحكم في اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات، بالتعيين وإقصاء الأحزاب من التمثيل". واستغربت حركة النهضة من مغامرات السلطة التي تدفع البلاد نحو المجهول السياسي. وتساءلت "الحركة" في بيان لها، "لصالح من تعمل السلطة في تأسيسها مرحلة تمرد على مؤسسات الدولة وتدفع الجزائريين للخيارات المجهولة"؟

ويرى مراقبون أن السلطة في الجزائر دخلت مرحلة سباق مع الزمن، وهو ما يعبر عنه الإعلامي بوعلام غمراسة، قائلاً: "حالة تسرع وتخبط تعيشها السلطة نتيجة خياراتها الغامضة، وتبدو مرتبكة في حسم خياراتها لما بعد الرئيس بوتفليقة، لذلك تعمل على توفير كل الظروف المحيطة لمنع أي تشويش سياسي وإعلامي ضد خياراتها".




المساهمون