الجزائر: الجيش يعترف بصراعات ما قبل انتخابات إبريل

01 يناير 2019
الصورة
طالب عسكريون سابقون قايد صالح بتحمل مسؤولياته (العربي الجديد)

أعلنت قيادة الجيش في الجزائر أنها بصدد كشف خطة متكاملة لأطراف عسكرية سياسية تستهدف دفع الجيش إلى تنفيذ انقلاب أبيض. والطرف الظاهر في هذه المجموعة هم الجنرالات الذين ينشرون كتابات ومقالات في الصحف تطالب الجيش بالتدخل، فيما تبدو المجموعة المستترة أكبر، بحسب ما يشير بيان الجيش الذي أكد أن هناك "مسعى غير فردي يستند إلى مبررات واهية وزائفة، يبدو جلياً أنه وليد خطة مبيتة ومؤامرة دبرتها دوائر مستترة"، تضم "أشخاصاً ناقمين وضيقي الأفق، من الذين لن يتوانوا عن استعمال وسائل غير نزيهة، ويحاولون عبثاً التأثير في الرأي العام وادعاء مصداقية تعوزهم".

وأخذت قيادة الجيش الجزائري على محمل الجد تصريحات ومواقف سياسية أدلى بها جنرالات سابقون في الجيش أخيراً، بينهم الجنرال رشيد بن يلس والجنرال حسين بن حديد، وبشكل خاص الأمين العام السابق لوزارة الدفاع، علي لغديري، بعد أسبوع من نشر الأخير مقالات وحوارات تُحمّل الجيش مسؤولية تاريخية في الوضع السياسي الراهن وتطالبه بحسم عسكري لإنهاء حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وإنقاذ البلاد من المأزق السياسي المتصل بمرض الرئيس، ومنع الفريق الرئاسي، الذي يقوده شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، من تنفيذ خطط سياسية تستهدف ضمان استمرار حكم بوتفليقة عبر مخارج سياسية متعددة قبل انتخابات إبريل/نيسان المقبل.

وأصدرت قيادة الجيش، مساء الأحد الماضي، بياناً مثيراً وغير مسبوق. وإذا كانت هذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها الجيش الجزائري بيانات ضد أطراف سياسية وشخصيات مدنية وعسكرية، كانت أدلت بمواقف وتصريحات تخص الجيش وعلاقته بالسلطة والحكم والمسألة الديمقراطية، فإنها المرة الأولى التي يحدث أن يتهم الجيش جنرالات وعسكريين تقاعدوا من الخدمة العسكرية قبل فترة قصيرة "بالتآمر مع دوائر" و"تدبير خطة مريبة"، ويهدد بملاحقتهم قضائياً. ويعطي البيان مصداقية للتقارير التي تتحدث في الجزائر عن عودة القائد السابق لجهاز الاستخبارات، محمد مدين (الجنرال توفيق)، للتحرك عبر شبكة علاقات عسكرية وسياسية للتأثير في الوضع الراهن، وذلك عندما يتهم الجيش العسكريين المتقاعدين بالدعوة إلى انقلاب عسكري عبر "مطالبتهم علناً نائب وزير الدفاع الوطني ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح بتحمل مسؤولياته، والتي تكمن، بحسب زعمهم، في تعزيز المكتسبات الديمقراطية"، وكذلك "الانخراط ضمن دوائر وصفها بالمريبة". وقال البيان "لمن المؤسف حقاً أن تكون هذه الأفعال من صنيعة بعض العسكريين المتقاعدين، الذين وبعد أن خدموا مطولاً ضمن صفوف الجيش التحقوا بتلك الدوائر المريبة والخفية، بقصد الوصول إلى أطماع شخصية وطموحات جامحة لم يتمكنوا من تحقيقها داخل المؤسسة". ويعتقد الجيش أن هؤلاء الجنرالات يقومون ببث "خطاب تهويلي وسيئ النية، يتضح للأسف من خلال تحامل هؤلاء الأشخاص على المؤسسة التي كبروا فيها بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات". ويربط بيان الجيش بين تحركات العسكريين ومواقفهم مع "اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، إذ يحاول بعض الأشخاص، ممن تحركهم الطموحات المفرطة والنوايا السيئة، إصدار أحكام مسبقة إزاء مواقف المؤسسة العسكرية من الانتخابات الرئاسية، ويمنحون أنفسهم حتى الحق بالتحدث باسمها، عبر استغلال كافة السبل لا سيما وسائل الإعلام".




ويعتقد المحلل والباحث في الشؤون السياسية، عبد الوهاب جعيجع، أن بيان الجيش يحمل محاذير إزاء ما يتردد بشأن تحركات شبكة متصلة بقائد جهاز الاستخبارات السابق الجنرال محمد مدين، الذي أطاحه بوتفليقة في سبتمبر/أيلول 2015. وقال جعيجع، لـ"العربي الجديد"، إنه يعتقد أن "البيان يستهدف التبرؤ مجدداً من بقايا الدولة العميقة التي ما زالت متربصة بالوضع السياسي تحت لواء مدير المخابرات السابق الجنرال توفيق (محمد مدين)"، مشيراً إلى أنه من الواضح أن البيان "وراءه سياسيون (يقصد الرئاسة) وليس عسكريين، بهدف تبييض صورة الجيش بالابتعاد عن الفعل السياسي، وبذلك لا يتحمل مسؤولية الواقع السيئ، وإعطاء صورة المؤسسة المتماسكة التي تطهرت من الفاسدين، ومحاولة ردم فجوة الثقة لدى الناخب قبيل الانتخابات الرئاسية ودفع الطبقة السياسية للتفاعل والمشاركة".

وبغض النظر عن إعلان قيادة الجيش الجزائري تهديدها بملاحقة هؤلاء العسكريين والجنرالات بسبب إخلالهم بواجب التحفظ، الذي يلزمهم به قانون أغسطس/آب 2016، فإن البيان، في شقه السياسي، عزز، بتقدير المراقبين، من موقف الرئاسة الجزائرية إزاء شكوك بإمكانية أن يقدم قائد أركان الجيش على لعب دور حاسم في انتخابات 2019 من دون بوتفليقة. ويفهم من بيان قيادة الجيش موافقتها ووقوفها وراء أي خيار ينتهي إليه بوتفليقة بشأن المستقبل السياسي للبلاد في علاقة بالانتخابات الرئاسية المقررة في إبريل، ورفضها لعب دور في ضمان انتقال سياسي والضغط على الرئيس للتنحي من الحكم مع نهاية ولايته الرئاسية الرابعة في إبريل.
ويذهب الباحث والكاتب المتخصص الذي أصدر دراسات عن العلاقة بين العسكر والسياسيين في الجزائر، رابح لونيسي، إلى أن رد الجيش منسجم مع الرئاسة. وقال "في البداية علينا الإشارة إلى أنه عندما نتحدث عن وزارة الدفاع، فمعناه رئيس الجمهورية الذي يشغل منصب وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن البيان الأخير لوزارة الدفاع الوطني يدخل في إطار مسار تعودنا عليه منذ سنوات. فكلما طالب، كما حدث في أشهر ماضية، أي طرف سياسي بتدخل الجيش في المسار السياسي، ردّ الجيش بالرفض، وكان آخرها الرد على المبادرة السياسية لحركة مجتمع السلم (جماعة إخوان الجزائر) و(رئيسها عبد الرزاق) مقري الصيف الماضي". وأعرب لونيسي عن اعتقاده أن المؤسسة العسكرية جادة في تحييد نفسها عن الفعل السياسي. وقال، لـ"العربي الجديد"، "أعتقد أن الجيش حريص على عدم التدخل العلني في الشأن السياسي، فهو يتجه نحو الاحترافية، ويرفض تكرار ما وقع في الماضي لأنه أضر به كثيراً، وأي تدخل في الشأن السياسي يمكن أن يمس بوحدته التي تعد عاملاً رئيسياً لاستقرار الجزائر في حالة وقوع أية تحديات، مثل حالة التسعينيات. وقد ثبت في عدة تجارب أن أي ضعف أو تفكك لأي مؤسسة عسكرية معناه صعوبة إعادة بناء الدولة من جديد في حالة انهيارها". ويبدو أن بيان الأحد، وبغض النظر عن أنه حسم لموقف وإنهاء لجدل موقف الجيش من الانتخابات، فإنه محاولة لردع العسكريين عن أي محاولة للتشويش على الترتيبات والتفاهمات القائمة بين قيادة الجيش والرئاسة بشأن مسارات ما قبل إبريل 2019 وما بعده.

تدابير قانون "الصمت"

واستند بيان الجيش وتهديده للجنرالات المتقاعدين الذين يتدخلون في الشأن العام ويبدون مواقف سياسية إلى قانون وصف باسم قانون "الصمت". ففي بداية عام 2016 أصدر الجنرال حسين بن حديد سلسلة مواقف وتدخلات تلفزيونية حول أحداث التسعينيات والأزمة الأمنية. وكشف معلومات وتفاصيل قلبت كثيراً من الحقائق وناقضت الروايات الرسمية المتصلة بالمسؤولية السياسية والعسكرية عن فترة الأزمة الأمنية الدامية التي شهدتها البلاد في التسعينيات، بعد تدخل الجيش في 12 يناير/كانون الثاني 1992، وإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت نهاية ديسمبر/كانون الأول 1991، وفاز الإسلاميون بها. وقد استغلت هذه التصريحات لإعادة التشكيك في سلوك الجيش والمؤسسة الأمنية خلال تلك الأزمة.

ودفع ذلك الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى المبادرة بإصدار قانون يلجم الجنرالات المتقاعدين من الجيش، وصادق عليه البرلمان الجزائري نهاية يونيو/حزيران 2016، ودخل حيز التنفيذ في أغسطس/آب 2016. ويلزم القانون كبار الجنرالات وضباط الجيش وضباط الاحتياط والعسكريين المتقاعدين بواجب التحفظ والامتناع عن إبداء مواقف تخص الشأن السياسي والعسكري. كما ينص على أنه "يتعين على العسكريين المحالين مباشرة إلى الحياة المدنية أن يتحفظوا عن كل فعل أو تصريح أو سلوك من شأنه الإضرار بسمعة المؤسسات والسلطات العمومية". ويشير إلى أنه "يمارس العسكري، المقبول للتوقف نهائياً عن الخدمة في صفوف الجيش والمحال على الاحتياط، بكل حرية الحقوق والحريات التي تكفلها له قوانين الجمهورية، إلا أنه يبقى ملزماً بواجب الاحتراس والتحفظ"، و"أي إخلال بهذا الواجب من شأنه المساس بشرف واحترام مؤسسات الدولة، يشكل إهانة وقذفاً، ويمكن أن يكون بمبادرة من السلطات العمومية محلاً لسحب وسام الشرف ورفع شكوى لدى الجهات القضائية المختصة طبقاً للأحكام القانونية السارية المفعول". وينص قانون "الصمت" على أنه "يتعرض العسكري العامل المقبول للتوقف نهائياً عن الخدمة في صفوف الجيش والمحال على الاحتياط الذي يخل بشكل خطير بواجب الاحتراس والتحفظ، إلى التنزيل في الرتبة"، وعلى سلسلة عقوبات في حال خرق أي عسكري متقاعد لواجب الحفظ، كسحب وسام الشرف والملاحقة القضائية. وبرر بوتفليقة حينها إصداره هذا القانون "بالحفاظ على الصورة اللامعة للجيش في مجتمعنا وإبقاء هذه المؤسسة في خدمة الجمهورية لا غير، ولتبقى مؤسسة الجيش فوق أي رهانات سياسية".