الجزائر.. البحث عن حل وسط

29 مايو 2019
الصورة
بدأ التظاهر في فبراير الماضي (العربي الجديد)


في رصيد الحراك الشعبي في الجزائر مكاسب لم تكن لتتحقق لولا هذه الثورة الجزائرية الثانية. في غضون ثلاثة أشهر أنجز الحراك الشعبي إسقاط الانتخابات الرئاسية في 18 إبريل/ نيسان الماضي، التي كانت ستدخل بالبلد إلى مرحلة الكارثة والانزلاق، ثم أسقط حكومة أحمد أويحيى وأطاح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وما أعقب ذلك من ملاحقة وسجن عصابة سياسية وأمنية ورجال أعمال كانوا في محيط بوتفليقة. لكن أكثر ما حققه الحراك أيضاً هو عودة الجزائريين، من مزارعين وعمال، موظفين وطلاب، شباب وكهول ورجال ونساء إلى الفعل السياسي بعد عقود من الاستقالة السياسية.

ثلاثة أشهر من الحراك الشعبي هي أيضاً مرحلة من الإرهاق السياسي والمجتمعي، بسبب تباين الخيارات بين ما يريده الشعب الذي لم يعد لديه استعداد لاستمرار رموز نظام بوتفليقة في المشهد، وبين مقترحات الجيش، التي تمر بالنسبة إليه عبر الدستور. مع أن الدستور الحالي أشبه ما يكون بـ"معتقل خامل" لا يتيح التوصل إلى حل سياسي توافقي. بين الخيارين في لحظات الأزمة والاستحقاقات الثورية، يعلو صوت الشارع والصخب السياسي، لكن الذي يجب أن ينتصر هو التعقل.

من الواضح أن الجزائر التي اجتازت مرحلة صعبة على صعيد بناء الثقة والنوايا بين مكوّنات المشهد المحلي، تدخل الآن مرحلة التنازلات الصعبة التي يتعيّن فيها على طرفي الثقل في المشهد حالياً، الحراك الشعبي والمعارضة من جهة والجيش من جهة ثانية، تقديم التنازلات الممكنة في مقابل ضمانات تؤدي إلى آخر النفق وتلمس بداية جدية نحو المشروع الديمقراطي الوطني.

ضمن منطق التنازلات الصعبة هذا، وباستقراء معطى تجارب سابقة في عدد من الدول، وبمعطيات الشد الحاصل في المشهد الجزائري، فإن رحيل حكومة نور الدين بدوي التي لا تتكئ على مستند دستوري، وتشكيل حكومة مستقلة وسيدة في قراراتها تقودها شخصية يتوفر لها حزام من الدعم السياسي والشعبي، تتولى تعديل القوانين الناظمة للانتخابات وضمان ترتيبات نقل صلاحيات تنظيمها إلى هيئة مستقلة، قد يكون أكبر تنازل يقدمه الجيش ويكسبه الحراك الشعبي. عندها لن يكون مهماً بقاء أو رحيل رئيس الدولة الذي يتمسك به الجيش لطابعه الدستوري.

صحيح أن الجيش لا يرغب في رحيل الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، ليس فقط لكونه يتمتع بالسند الدستوري، أو لصعوبة التوافق وآلية انتقاء رئيس انتقالي آخر، ولكن أيضاً لأن الجيش يرغب في لعبة البقاء قريباً من المشهد ومراقبة الوضع عبر ومن خلف شخصية ضعيفة مثل بن صالح، وفي هكذا حال من الصعب الحكم على النوايا، لكن في السياسة فتح ثغرة خير من البقاء خلف جدار.