الجزائر: الاستخبارات تتعهد بقضية الكوكايين ومخاوف من تورط "رؤوس كبيرة"

30 مايو 2018
الصورة
البحرية الجزائرية أحبطت تهريب 700 كيلوغرام من المخدرات(فرانس برس)
أحبطت السلطات الجزائرية أكبر عملية تهريب للكوكايين في تاريخ البلاد، كان مقررًا نقلها عبر ميناء وهران، غربي الجزائر، فيما بدأت الشكوك تدور حول احتمال تورط أطراف نافذة، حتى بدأت القضية تأخذ أبعادا سياسية، بسبب الكمية الكبيرة للكوكايين المحجوز من جهة، وعلى خلفية سوابق شهدتها الجزائر من جهة أخرى، عندما تفجرت قضية تورط مسؤول عسكري كبير في تهريب المخدرات قبل سنوات.

الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، كلّف قائد جهاز الاستخبارات، عثمان بشير طرطاق، بالإشراف الشخصي والمباشر على التحقيق في قضية وصول 700 كيلوغرام من الكوكايين على متن باخرة برازيلية كانت تورد كمية من اللحوم إلى الجزائر، وإيفاده بتقرير شامل وواف حول القضية ومجمل الأطراف المتورطة فيها، والتنسيق مع أجهزة الأمن الدولية، بما فيها "إنتربول" وجهازا الأمن الإسباني والبرازيلي لكشف الحقيقة في القضية المثيرة.

وحاولت شبكة تهريب دولية التمويه بإخفاء الكوكايين بين كميات اللحم المجمدة، غير أن أجهزة الأمن الجزائرية استقت معلومات عن وجود شحنة مخدرات على متن السفينة؛ ما دفع بحرس السواحل إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل استدعاء السفينة للدخول إلى الميناء، واعتقال طاقمها وإخضاعه للتحقيق.

وتتبع الحاويات المستوردة شركة مقرها العاصمة الجزائرية مملوكة لأحد موردي اللحوم، تجري السلطات تحقيقات معه حول القضية، ولمعرفة ما إذا كان الأخير وشركاؤه على علم بوجود الكوكايين على متن السفينة، أم أن الشبكة الدولية استغلت عملية تصدير اللحوم لإخفاء المادة المحظورة وسط الحاويات.

وصنّف الرئيس بوتفليقة قضية الكوكايين على أنّها قضية "أمن دولة"، بسبب حجم المخدرات المحجوزة، وتجرؤ شبكة التهريب على محاولة إدخال كمية ضخمة وغير مسبوقة كهذه إلى البلاد، إذ تبلغ قيمها التقديرية أكثر من 14 مليون يورو (نحو 18 مليون دولار). وطلب الرئيس الجزائري من قائد جهاز المخابرات التنسيق مع وزارة العدل لطلب الإنابات القضائية اللازمة مع الدولة التي انطلقت منها الباخرة، البرازيل، أو التي توقفت فيها، إسبانيا، حيث رست في ميناء أليكانت. وستتولى وزارة الخارجية تنسيق ذلك مع الدول المعنية، لفك خيوط الشبكة التي تورطت في القضية، والتي يرجح أن تطيح بشبكة دولية متخصصة لا يستبعد تورط شخصيات نافذة فيها.

وحصل "العربي الجديد" على تفاصيل القضية المثيرة، والتي كشفت عن اتصالات سرية مع جهاز الشرطة الدولية "إنتربول" حول شحن كمية المخدرات على متن الباخرة "فيقاس"، التي كانت ترفع علم دولة ليبيريا، والمتوجهة إلى الجزائر. هذا الأخير أبلغ جهاز الأمن ووزارة الداخلية الإسبانية، التي أبلغت بدورها عبر وزارة الخارجية سفيرها في الجزائر، باستخدام الخط الهاتفي الأحمر، لينقل المعلومات العاجلة إلى السلطات الجزائرية، التي كانت بانتظار الباخرة قبالة الساحل الجزائري، حيث كان مقررًا أن تفرغ شحنتها الخميس، لكن السلطات الجزائرية قررت محاصرتها بقوات من البحرية، باستخدام سفينتين حربيتين وزوارق مطاطية، وبإسناد من طائرة هليكوبتر وجهاز تشويش على الاتصالات لقطع أي تواصل بين السفينة والشبكة في الجزائر، أو في البلد المصدر. وحتى الآن، أوقفت أجهزة الأمن الجزائرية 35 شخصًا في العاصمة الجزائرية وهران وسيدي بلعباس، غربي الجزائر، بينهم صاحب الشركة المستوردة، ويدعى ناصر، ويبلغ من العمر 35 سنة، كما يزعم أنه ابن جنرال في الجيش.


وبقدر ما كان الإعلان صادمًا للرأي العام بشأن إحباط تهريب هذه الكمية من الكوكايين، وجرأة الشبكة التي خططت للعملية، يطرح الرأي العام الجزائري تساؤلات حول الجهة التي تقف وراء هذه القضية، إذ تحوم شكوك حول وجود أطراف نافذة لها صلة بالقضية، أو حاولت، على الأقل، توفير ممر آمن لتهريب هذه الكمية الكبيرة من الكوكايين. هذه الشكوك تستدعي إلى الذاكرة القضية التي تفجرت عام 2001، المرتبطة بتهريب 900 كيلوغرام من المخدرات عبر حاويات كانت مخصصة لتوريد التفاح من الخارج، والتي فجرها حاكم ولاية وهران، غربي الجزائر، بشير فريك، ومدير الأنشطة الاجتماعية، قادة هزيل. حينها كان اللواء كمال عبد الرحمن، قائد المنطقة العسكرية الثانية آنذاك، المتورّط الرئيس في تأمين عمليات الكوكايين، إذ اتهم بالتعاون مع بارون مخدرات كبير يدعى "زنجبيل". غير أن هذا الأخير نفى، في وقت لاحق، علاقته بالقضية، بل واتهم جهاز الأمن العسكري بتلفيق ملف ضده للسيطرة عليه. تلك القضية عادت إلى الأذهان أيضًا العام الماضي، حينما تفجّرت قضية أخرى مماثلة تتصل بمحاولة تهريب 83 كيلوغراما من الكوكايين، وتورط فيها 32 شخصًا بينهم عسكريون.

وذهبت أغلب التعليقات الأولية باتجاه ترجيح أن تطيح هذه القضية برؤوس كبيرة وأسماء نافذة، وقد تطاول مسؤولين في دوائر حكومية على علاقة بالنقل والتجارة الخارجية. وفي هذا السياق، يقول الإعلامي المختص في قضايا المخدرات رضوان بوعالية، إن "هذه القضية ليست عادية، ولا يمكن أن تكون كذلك، أنا أتوقع أن تكشف عن تورط شخصيات كبيرة ونافذة ومسؤولين"، وأضاف: "دأبنا في الجزائر على قضايا تهريب كميات بسيطة من الكوكايين، لكن تهريب 701 كيلوغرام من الكوكايين لا يمكن لأي شبكة أن تضطلع به دون وجود تواطؤ على مستويات متعددة".

وتعاني الجزائر، منذ سنوات، من تدفق أطنان من المخدرات من المغرب، إذ كشف تقرير رسمي للديوان الحكومي لمحاربة المخدرات في الجزائر أن مصالح الأمن والجيش والدرك حجزت أكثر من 167 طنًا من المخدرات سنة 2016، و118 طنًا من المخدرات عام 2017.


وفي وقت سابق، اقترح رئيس الحكومة، أحمد أويحيى، إقرار عقوبة الإعدام وتنفيذها في بارونات تهريب المخدرات. وفي الفترة الأخيرة، زادت المطالبات السياسية باعتبار قضايا المخدرات ضمن القضايا المتصلة بالأمن، واعتبارها جزءًا من الأنشطة الإرهابية، وخاصة أن شبكات تهريب المخدرات، في جنوبي الجزائر بالذات، باتت تستعمل الأسلحة لتأمين مرور شحنات المخدرات عبر الصحراء الجزائرية. وقبل فترة قصيرة، قال الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني"، جمال ولد عباس، إن "أطنان المخدرات التي تهرب إلى التراب الجزائري، أشد خطرًا من الصواريخ في الفتك بالنسيج الاجتماعي للأمة"، والشهر الماضي، اعتبر زعيم حزب إخوان الجزائر (حركة مجتمع السلم) أن البلاد مهددة في مجال السلم المدني بسبب تدفق أطنان المخدرات.