الجزائر... اختراق في العمق

05 اغسطس 2020
الصورة
الاختراق الكبير كان في مكتب قائد أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح (رياض كرامدي/فرانس برس)

لطالما كان الجزائريون يتساءلون عن مصدر التسريبات التي تتجول في الفضاء العام والكم من المعلومات الأمنية والعسكرية التي يلقي بها متحدثون في مواقع التواصل الاجتماعي، هؤلاء يقيمون في الخارج وتصلهم أخبار المؤسسة العسكرية والأمنية والصراعات الحاصلة بين الغرف والمستويات القيادية قبل أن تُذاع في الجزائر. خلال أشهر من الحراك، خصوصاً في فترته الأخيرة التي سبقت تعليق التظاهرات (وليس إنهاءها)، كانت السردية والدعاية الرسمية تتحدث بشكل مستمر عن وجود اختراق للحراك. انطلت هذه الدعاية على جزء من المجتمع السياسي والمدني الذي ركن إلى الهامش وقبٍل بالمسار الذي فرضته السلطة. لم يكن أحد يعلم أن الاختراق الكبير كان في قلب السلطة، في مكتب الرجل القوي وصانع القرار الأول في البلاد، مكتب قائد أركان الجيش نفسه الراحل أحمد قايد صالح، ومن دون أن ينتبه أحد. في القصة أن سكرتيره الخاص قرميط بونويرة كان يسرّب المعلومات والوثائق أولاً بأول، وجمع بين يديه خزنة أسرار ووثائق وتفاصيل مهمة عن ساعات عصيبة وأيام وأشهر حددت مساراً مغايراً للجزائر لما كان يُراد لها من قبل عصبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ولما تَطلّع إليه الجزائريون في الحراك الشعبي، قبل أن يفرّ إلى الخارج، مباشرة بعد وفاة قايد صالح، بمساعدة شركاء كانوا يعتقدون أن وجوده في الخارج بعيداً عن يد العدالة حماية لهم من الانكشاف والمساءلة، ولاستخدام وجوده في الخارج ورقة مساومة أيضاً في لحظة عسر.
الاختراق الثاني هو أن الشخص (واسيني بوعزة)، الذي عهد إليه رئيس الأركان الراحل بإدارة قسم الأمن الداخلي في جهاز المخابرات وبمتابعة الحراك الشعبي، حَوَّل نقاش الأفكار والمطالب السلمية إلى معركة أمنية وكاد يشعل فتيل صراع عرقي وإثني بين العرب والأمازيغ، وبين المحافظين والديمقراطيين، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وتَلاعب بالانتخابات الرئاسية ذاتها، وربط "خط هاتف" مفتوح مع القضاء لاعتقالات عشوائية وتلفيق القضايا للناشطين، ما زال القضاء إلى اليوم غارقاً في تلابيبها، قبل أن يلقى بوعزة مصيره مداناً في السجن العسكري بالتهم نفسها التي لفقها للناشطين.
الآن عرف الجزائريون أين كان الاختراق حاصلاً، في تظاهرات الحراك أم في دواليب صناعة القرار، ومن كان مخترقاً، السلطة في عمق عمقها أم الحراك في عمقه الشعبي، ومن كان يقول الحقيقة المعبرة عن مطمح شعبي للتغيير ومطلب للديمقراطية، ومن كان يصنع الأكاذيب والدعاية الفاسدة التي لم تصمد لأشهر، لأنه حتى في الأكاذيب لا يوجد إتقان. كما أدرك الجزائريون من هم الوطنيون الحق، من سجنوا ظلماً وتعسفاً لموقف ومن كان يشعل فتيل الفتنة بسلطة.
في كل الأحوال يبقى أنه من المبكر الحكم على هذه التطورات، ذلك أن في الجزائر سوابق كثيرة لحالات الانقلاب المفاجئ للصورة. المنتصر في معركة الحكم يكتب القصة التي يريد عادة، وقد لا تكون صحيحة بالضرورة. السلطة لا تقول الحقيقة دائماً وشواهد التاريخ علمتنا ضرورة ترك مسافة.