الجزائر أمام مفترق طرق كبير

04 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تعيش الجزائر على وقع أزمة حادّة، تجعلها تقف أمام مفترق طرق كبير، يصعب التنبؤ بمآلات تشعّباته مستقبلا، فمن جانبٍ تصرّ السلطة على إجراء انتخابات رئاسية في ظل أجواء متوترة لم يسبق أن شهدتها البلاد منذ استقلالها بداية ستينيات القرن الماضي. ومن جانب آخر، تخرج أسبوعياً مظاهراتٌ حاشدة، ومنذ نحو عشرة أشهر، رافضةً الانتخابات والسلطة الحاكمة. وفي الوقت نفسه، تشهد البلاد محاكماتٍ تاريخيةً غير مسبوقة لأبرز رموز النظام، بينهم اثنان من رؤساء الوزراء ووزراء وكبار رجال أعمال، بتهم خطيرة تتوزع ما بين الفساد وتبديد أموال عمومية وسوء استعمال السلطة. فيما تقبع في السجن شخصيات كبيرة كانت حتى الأمس القريب تحكم الجزائر، منها شقيق الرئيس الجزائري المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة، واثنان من كبار ضباط المخابرات والعسكر في عهده، بعد إدانتهم بتهم ثقيلة تتمثل في المساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة. 
وأمام هذا المشهد الذي لم يكن متخيلا وقوعه في الجزائر قبل أشهر فقط، يوجد شارع منتفض رافض كل شيء، ومتوجسٌ من كل شيء، حتى من محاكمات رموز النظام الذي خرجت الجماهير تطالب بإسقاطه. وفي المقابل، توجد سلطة، أو ما تبقى من النظام السابق الذي انتفض ضده الشعب، تقاوم من أجل أن يستمر النظام نفسه، حتى لو ضحّت بأبرز رموزه.
يكاد الوضع في الجزائر اليوم يكون سورياليا، وقد دخل، منذ أسابيع، إلى نفق مسدود، فالنظام
 الذي حاول تهدئة الشارع بالتضحية ببعض رموزه غذّى شهية المتظاهرين في تنحية كل الرموز المتبقية واجتثاثه من جذوره. وبالنسبة لقائد الجيش، والرجل القوي في البلاد، الفريق قايد صالح، الذي يحاول إنقاذ النظام، فإن جميع مطالب الشارع قد تمت تلبيتها، وبالتالي أصبح عليهم التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد. ولكن المحتجين الذين تأخذ حركتهم زخما كبيرا، أسبوعا بعد آخر، لا يرون في محاكمات رموز النظام سوى تصفيات حساباتٍ بين أجنحته، ويعتبرون الانتخابات مجرّد التفافٍ على مطالبهم، ومحاولة لإدامة النظام نفسه وبرموز تنتمي إليه.
وما جعل المعادلة الجزائرية تبدو، اليوم، صعبة ومعقدة، هو تشبث طرفي الأزمة بمواقفهما، وغياب محاورين جدّيين، فالسلطة التي تريد محاورة الشارع هي نفسها التي خرج المتظاهرون لإسقاطها. والمتظاهرون، على الرغم من الزخم الذي تعرفه حركتهم، لم ينجحوا في تنصيب ممثلين جدّيين يحظون بالمصداقية للتفاوض باسمهم، فالسلطة الحالية التي تشكل امتدادا للنظام الذي يريد المتظاهرون إسقاطه ترفض، بشكل قاطع، مطلب الحراك الشعبي، المتمثل في إبعاد كل رموز النظام السابق عن السلطة، وتفكيك مؤسساته، لتحل محلها أخرى انتقالية تؤسس لجزائر جديدة، وترفض، بشكل قاطع، أي حل آخر غير طريق الانتخابات الرئاسية التي تعتبرها المخرج الوحيد لإنقاذ البلاد من المأزق السياسي الذي توجد فيه. وفي المقابل، يرفض الحراك الشعبي استمرار رموز "النظام السابق"، المتهم بعقود من الفساد والاحتيال في تزوير إرادة الناخبين، أن يكون هو من يشرف على الانتخابات التي يقول المتظاهرون إنها ستعيد إنتاج النظام نفسه.
وأمام مفترق الطرق هذا، تتعدّد السيناريوهات، ولكن من الصعب التنبؤ بما سيحدث، حتى في المستقبل القريب، فحالة عدم اليقين تتفاقم عند الجزائريين، بسبب الجمود في مواقف السلطة ومطالب المتظاهرين. وليس المخرج من هذا الوضع سهلا، كما أن مستقبل الاستمرار فيه مرتبط بعدة عوامل غير متوقعة، ولا يمكن التحكّم فيها، مبنية على ردة الفعل وردة الفعل المضادة من كلا الطرفين، الشارع والسلطة، والتي طبعتها حدّة التصعيد طوال العشرة أشهر الماضية، فالسلطة التي راهنت على قصر التعبئة الشعبية نفسها أصبحت ترى أن عامل الوقت لإرهاق الحراك وإضعاف تعبئته لم يؤتِ أكله، ولم يعد يصبّ في صالحها، لذلك تصر بقوة على المضي في خيارها تنظيم انتخاباتٍ رئاسيةٍ، حتى لو قاطعها الجميع. وبالنسبة للحراك الشعبي الذي يرفض عناد السلطة، وفي الوقت نفسه، يخشى مواجهتها، يحاول أن يحافظ على تعبئته قوية وسلمية، لكنه عاجز عن إفراز زعامةٍ أو آلية تمثله، للتحاور والتفاوض باسمه.
أما الجيش، المؤسسة الوحيدة التي ما زالت تحافظ على قوتها ووحدتها وتماسكها، وكانت تعتبر 
دائما الحاكم الفعلي للبلاد، فتجد نفسها أمام اختبارٍ كبير، إما الوقوف إلى جانب الحراك الشعبي، وهو ما قد يشجّعه على مزيد من الرفع في سقف مطالبه، أو الدخول في مواجهة معه، لن تكون عواقبها سليمة. لذلك حرص قائد الجيش، الفريق قايد صالح، منذ بداية الأزمة الجزائرية، على الرقص على الحبلين، واستعمال النبرتين في الآن نفسه، نبرتي الترغيب والتهديد. ولكن مراقبين قليلين من يرون أن أمامه فرصا أخرى لم يحاول استغلالها، فاستجابته لمطالب الحراك قد تصل إلى المطالبة برأسه هو نفسه، ومواجهة الحراك بقوة تذكّر الجزائريين بأحداث مأساوية لتدخّل الجيش كما حصل عام 1988، عندما تظاهر الجزائريون لإسقاط نظام الحزب الواحد، أو كما حدث عام 1992 في أثناء وقف الجيش المسلسل الانتخابي بقوة، ما أدخل البلاد في عشرية سوداء، ما زال الجزائريون يتذكّرون كوابيسها.
وأمام الوضع الحالي، المأزق الجزائري مرشح للاستمرار كما هو عليه إلى أجل غير مسمى، جرت الانتخابات أو لم تجر. أما نتائجها فلا أحد ينتظرها، لأنها لن تغير الكثير من المعادلة الجزائرية التي كلما طال أمدها تعقّد حلها.