الجزائر.. أبعد من مطالبة باستقالة رئيس البرلمان

الجزائر.. أبعد من مطالبة باستقالة رئيس البرلمان

09 أكتوبر 2018
الصورة

السعيد بو حجة.. ماذاوراء محاولة إقالته؟ (27/2/2018/الأناضول)

+ الخط -
ما الذي يجري في الجزائر حقيقة؟ لا أحد يدري. إنّها العبارة الأكثر ترديدا بين الأكاديميين، المحلّليـن والسياسيين، حتى المخضرمين منهم، بشأن مطالبات بتنحية/ إقالة رئيس البرلمان الجزائري، السعيد بوحجة، ووجه الغرابة في هذا الموقف أنّ الجميع، نوّابا، حزبيين في الحزب العتيد الحاكم (جبهة التحرير) ورئيس البرلمان نفسه وكتل "الموالاة"، منتمون للتوجه السياسي نفسه، يدينون بالولاء لرئيس الجمهورية، يناصرون المقاربة نفسها لمستقبل المواعيد الانتخابية الحيوية في البلاد، على غرار الانتخابات الرئاسية في إبريل/ نيسان 2019، كما ينافح، جميعهم، عن برنامج رئيس الجمهورية. .. كيف يمكن، بالنتيجة، قراءة الأحداث المتسارعة في "الزمن السياسي" الجزائري، المليء بالتقلبات الحاملة لتأويلات، تخمينات وتحليلات من الناظر إلى الساحة بقصد الابتعاد عن إحدى العاقبتين المحتمتين: الوصول إلى حالة الخداع أو المخادعة؟
انطلقت هذه الأحداث، كرونولوجيا، باعتماد مجلس الوزراء مسوّدة قانون المالية برسم السنة المقبلة (2019) في انتظار تمريره أمام البرلمان (بغرفتيه)، لاعتماده بصفة نهائية، على خلفية ورود أنباء "سعيدة"، تحمل اتجاها تصاعديا لأسعار النفط، المورد الرئيس، بل الوحيد، لمداخيل البلاد، ليحدُث ما نراه ماثلا أمامنا، الآن، من صعود أصواتٍ من الحزب العتيد، بداية، ثم الموالين له، بدعوة رئيس البرلمان إلى الاستقالة، حتى لو كان الثمن تجميد أشغال البرلمان، وتعطيل شأنين حيويّين للبلاد: اعتماد قانون المالية، ثم التفكير في رسم القاعدة القانونية لانتخابات أبريل/ نيسان 2019 الرئاسية، وذلك، أيا كانت توجهات النظام بشأنها، وفق السيناريوهات المرسومة لإقرارها.
حاول الجميع، من محلّلين وأكاديميين، بل ودستوريين، الإدلاء بدلوهم قصد فهم المغزى من 
مسلكية/ مطلب الحزب الحاكم في البلاد من بوحجة الاستقالة، ليصل الجميع إلى قراءة واحدة، وهي استمرار مسلكية الغموض في كل ما تقوم به المنظومة الحاكمة، وتقرّره، ما أدى، حتما، إلى حمل مداخلات هؤلاء، جميعهم، طابع التخمين، وليس التحليل، لأن ذلك الغموض يُستتبع، في المشهد السياسي الرسمي الجزائري، بصمتٍ مطبق، ليكون الأمر أشبه بطلاسم، وليس منظومة سلوكات تحكمها قوانين، لوائح وتحالفات سياسية منظّمة.
تواصلت الأحداث، ليستمر معها الغموض والصمت نفساهما، ولكن بتصاعد المواقف من السعي إلى الإقالة/ التنحية (وهو معنى الدفع إلى الاستقالة)، وذلك بتجميد تواصل البرلمان مع المؤسّسات الأخرى في الدولة (وزارة الخارجية بوقف استقبال البرلمان سفراء الدول الأجنبية)، ثم بتجميد كامل النشاطات والأشغال، من دون أن تتمكّن مؤسّسةٌ ما في هرم السلطة، رئاستا الجمهورية والحكومة، من التدخّل لحسم الموقف، مع استمرار توسع دائرة "الغضب" من رئيس البرلمان، لتتضح الأمور وتبرز، في الأفق، الأزمة المؤسّسية التي لم يسبق للنظام إدارتها من قبل إلا مرة واحدة، (في 2004، ولكن ليس بالحدّة نفسها) مع تضمن تلك الأزمة مواصفات محدّدة وفريدة من نوعها، أي انتماء الجميع، المناوئين للبرلمان ورئيسه، لفصيل سياسي واحد (الحزب العتيد والموالاة)، ولكن مع جزئية جديدة، وهي انتظار الجميع قرارا من رئيس الجمهورية، ليحل "المعضلة".
ومع انتظار الجميع قرارا يأتي من رئيس الجمهورية، برزت تحليلات ربطت، منذ أسابيع، بين ورود مفهوم "الاستمرار في أداء المهمة" بالنسبة للرئيس، في أفق الرئاسيات المقبلة، وبروز رأي عن مرحلةٍ انتقاليةٍ، ليصل التخمين إلى أن الاحتمال الأكثر وجاهةً في ما يجري هو الاتجاه إلى حل البرلمان، وتمديد الفترة الرئاسية، لأن الأمر سيكون، بالنسبة لسلسلة الإجراءات السياسية الحيوية، هو الإسراع بإجراء انتخاباتٍ تشريعيةٍ مسبقة، حتى لا يكون هناك فراغ مؤسّساتي في البلاد.
قد يكون هذا التّخمين/ التّحليل الأقرب إلى الوجاهة، لتضمنه توجها إلى قراءةٍ في طلاسم 
سياسية، تعمّد النظام في الجزائر تصديرها إلى الرأي العام الجزائري وللجهات الخارجية، على حد سواء. لكنّ ثمّة صورتين ترتبطان، على الدوام، بذلك كله، وهما، هنا، تنطلقان، بداية، من استمرار اجترار لصورة سيئةٍ لدى الرأي العام عن التساهل في تسيير أهم مؤسسة في البلاد، تقوم على سن القوانين والتشريعات التي تترادف مع النظام، التسيير، الإدارة والقانون.
وإذا واصلنا إيراد الصورة الأخرى التي تعكسها هذه المسلكية، يمكننا الحديث، أيضا، عن منطقية ارتباط المواعيد الانتخابية مع ظاهرة العزوف، من ناحية، من الشعب ثم، من ناحية أخرى، هزالة وزن تلك المؤسسات، من حيث الشرعية، لسبب ذلك وبسبب عكسها، من خلال تلك السلوكات وغيرها، لنقص شرعيتها لدى الرأي العام.
لا يمكن إنهاء الحديث عن "الطلاسم السياسية الجزائرية" من دون ربطها، وهنا المفارقة، بعدة مسلماتٍ ترقى إلى درجة اليقين، وهي ثلاث: الأولى منها أن ثمّة إيعازا لتتولّد كل هذه المسلكية، وإن غابت عنا، بسبب الغموض والصمت، أبعاد ما يحدث، كما أن ثمة يقينا آخر، وهو أن رئيس البرلمان سيستقيل، بل قدّم بعضهم تاريخ وصول تلك الاستقالة إلى الرئيس. أما اليقين الأخير، وهو أن طبيعة الطلاسم، حتى السياسية منها، أن تجد طريقها إلى الحل، يوما ما، وهذا اليوم مرتبط بتغيير قواعد عمل المنظومة السياسية، أو كما قلنا، مرارا وتكرارا، في مقالات سابقة "في العربي الجديد"، وضع أسس سياسة عامة رشيدة واضحة، وبمؤسساتٍ تحكمها توازنات التسيير والمصلحة العامة. وإنّ غدا لناظره لقريب.

دلالات