الجريمة بين الأفراد والحركات المتطرّفة

الجريمة بين الأفراد والحركات المتطرّفة

11 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
الحركات المتطرّفة، ذات الطابع الدموي، التي يقول المفكر العربي برهان غليون إنها "بنتُ الحداثة المُجهضَة"، ليست، بالطبع، التجلي الوحيد أو الأخير لتعطّل المشروع النهضوي في عالمنا العربي، وإجهاضه. إنها حلقة في سلسلة نتائج مسّت الأفراد، كما مسّت الأحزاب والجماعات والحركات. ومن الطبيعي أن يتماثل بعض تأثيرها الفردي والجماعي، وأن يتداخلا، ومن ذلك الطبيعة الإجرامية لمشاهد الإعدام في فيديوهات تلك الحركات، إذ إنها طبعاً لا تنبع من فراغ، بل تعبّر عن رغباتٍ إجراميةٍ دفينةٍ عند أفرادٍ انضموا إلى تلك الجماعات، تماماً كما توجد تلك الرغبات عند أفرادٍ لم ينضموا لها، وما يزالون في مجتمعاتهم الأصلية.
لقد درجت العادة، في مجتمعاتنا العربية، على تفسير وقوع جرائم قتل فظيعة، على أيدي غير محترفي الإجرام، بوصفهم "مختلين عقلياً"؛ انطلاقاً من افتراضٍ مفاده أن ارتكاب تلك الجرائم لا يجوز أن يصدر عن إنسان سويّ نفسياً، ما يعني أن أفراد هذه المجتمعات يعتبرون أنفسهم أسوياء، وأن بعضهم فقط هم المختلون عقلياً ونفسياً.
لكنّ تتبع ظروف مرتكبي الجرائم غير المحترفين يكشف عادة أنهم ما كانوا ليرتكبوا جرائمهم لولا ضغوط نفسية هائلة وُضعت عليهم، ولولا ظروف غير سوية، مرّوا بها في حياتهم. لا تأخذ المجتمعات التي تتهم هؤلاء بالاختلال العقلي تلك الظروف والضغوط باعتبارها، بل تفترض أن المجرم استيقظ صباحاً، فكان يعاني من اختلالٍ في قدرته على التفكير واتخاذ القرار، ما دفعه إلى ارتكاب جريمته؛ هكذا بكل بساطة، وبدون ظروف صعبة وضغوط اجتماعية.
على أن تناسي تلك الضغوط الاجتماعية لا يصدر من فراغ، بل عن عمد، لأن مجتمعاتنا لا تريد أن تعترف بدور الضغوط التي تفرضها على أفرادها في وقوعهم في أتون الجريمة. تلك الضغوط التي تُفرض على الجميع من دون استثناء، تتنوع بين تدخلٍ في الحياة الخاصة وتتبعٍ لحياة الفرد اليومية، وملاحقته في حريته الشخصية، وفرض الخيارات عليه في مختلف مراحل حياته، باعتباره غير قادرٍ على اتخاذ القرار بغير مشورة "المجتمع" ومصادقته عليه.
هكذا يكون معنى الإنسان السوي بالنسبة لمجتمعاتنا، هو الذي يحتمل ضغوط المجتمع، ويصمت عليها. في حين يكون المختل عقلياً هو من ينفجر في وجه الضغوط، ولا يستطيع الصبر عليها، فيرتكب جريمته، رداً على جريمة المجتمع تجاهه، والمتمثلة في التدخل في خصوصياته، وإفساد حياته.
لا يجوز أن نبرّر الجريمة. لكن، تعالوا نبحث عن فهمٍ يحول دون وقوعها. ما يجري في مجتمعاتنا لا يُفسره فقط ما تعيشه من حرمان، على ما كان يقوله الراحل هشام شرابي، بل قبل ذلك، ما تعانيه من انتهاكٍ للكرامة الفردية، يتمثل في سلب المرء حريته في التفكير واتخاذ القرار، باسم الإرشاد "الأبوي" له، وإكراهه على نمطيّةٍ معينةٍ من القيم، تعوّد عليها المجتمع، ويخاف تغييرها لأنه يخاف المجهول.
مشكلات كبرى كثيرة تعيشها مجتمعاتنا، بما فيها تخلّفها الحضاري، ووقوعها رهن الاستبداد السياسي سنوات طويلة، يمكن حلّها انطلاقاً من تخلي المجتمع عن دكتاتوريته القيمية على أفراده، التي تخوّله التدخل في حياتهم؛ فتفرض على فلانٍ أن لا يفعل ما يرتاح له، وعلى آخر أن لا يتصرّف بوقته كما يشاء، وعلى ثالثٍ أن لا يتزوج من يحب، وعلى غيرهم أن يستدين، أو أن يعمل في مهنةٍ لا يحبها، أو يعيش في بيئةٍ لا يطيقها، أو يفرض على نفسه التزاماتٍ لا قبل له بها.. إلخ. وذلك كله باسم العقل والاتزان؛ وهو "الاتزان" الذي ينتهي إلى إيجاد مجتمع متوتر، لا يجد صفاء ذهنياً يمكّنه من تطوير قدراته، وتنظيم ذاته، فلا يخرج فيه قادة عظماء، ولا مخترعون كبار، ولا مفكرون قادرون على إعادة توجيه التاريخ.
هكذا تكون المجتمعات التي تتسبب بمأساتها بنفسها، حين تحرم نفسها حريتها، هي المختلّة عقلياً، وليس أفرادها الذين يحتّجون على سلب إرادتهم، وانتهاك حريتهم بطريقة متطرّفة، فيقعون في الجريمة في لحظةٍ ينفد فيها صبرهم، ولا يستطيعون متابعة حياةٍ لم يختاروها، معلنين على الملأ أنهم لم يعودوا جزءاً من تلك المعايير القيمية العجيبة التي تتخذها مجتمعاتهم. وقد ينحرفوا أكثر من ذلك، ويذهبوا إلى الانضمام لتلك الحركات المتطرّفة التي توفر لهم بالضرورة فرصة التنفيس عن رغباتهم الجرمية. أتحدث هنا طبعاً عمّن "ينحرفون"، لا عمّن تكون الجريمة أصيلةً لديهم، سواء باسم الدين أو بدونه.