الثّورة، طريقها ومهامها.. الجزائر مثالاً

23 مايو 2019
الصورة
في اللحظة التاريخية التي ينتفض فيها الشارع الجزائري، مطالبًا بالتغيير الجذري للنظام، وباستقالة رئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، يخرج الأخير بخطابٍ بارد وطويل، تحدّث فيه عن كل شيء تقريبًا، ما عدا عن استقالته. المصيبة الأكبر أنّه دعا إلى إصلاحاتٍ تدريجيّةٍ في البلاد. ما يعني أن الجزائريين تركوا الانشغال بمعاناتهم وأعمالهم ومشكلاتهم الحياتيّة، والرّاحة بعد ساعات العمل الطويلة، وغيره من شقاء يومي، ونزلت حشودهم إلى الشّوارع بالآلاف، منذ شهور، لتحتج على عصابة مستبدّة وفاسدة تحكمه، وتطالب بالتغيير والحريّة وباسترداد كرامة المواطنين المسلوبة باسم الوطن.. ليطلّ عليهم بعد انتظار، السيّد السّياسي، ببدلة رسميّة ولحية ناعمة، مطالبًا النّاس بالعودة إلى بيوتها، حيث سيتكفّل، هو وزملاؤه من السّياسيّين بالتّغيير، لكن بالتّدرج ومن خلال الدّستور. هل هذا غباء أم ماذا؟
مهما يكن، فإن تصريح بن صالح يُظهر أنه يجهل المجتمع والطّبيعة والثّورة، وهو يمثّل الحالة السّائدة من السّياسيّين الذين يقودون هذا العالم بأسره نحو الهلاك، حيث تجذب هذه المنظومة التي يحكمها المال، القائمة على الاستغلال والقوّة، وبسبب تكوينها وبنيتها وقيمها، من هم كالبكتيريا، وتشجّع السّلوك البكتيري. يصعد على هرم هذه المنظومة من هم أكثر جشعًا وعطشًا للمال والسّلطة، لينهبوا ويحصلوا على امتيازاتٍ يسعون، فيما بعد، إلى الحفاظ عليها. وهذا خطر حقيقي، نراه في قراراتهم المنافية للعقل، ومراوغاتهم، وفسادهم الذي فضحت جانبًا صغيرًا منه وثائق ويكيليكس، وغيرها من المبادرات الشّجاعة لمناضلين، مثل جوليان أسانج.
كيف يتوقّع بن صالح، أو أيّ سياسي جزائري آخر، أن يثق النّاس به وبوعوده، ويرضوا 
بالإصلاح التّدريجي من خلال الدّستور، ويعودوا إلى بيوتهم؟ من الطّبيعي أن يكون الشّعب مع الدّستور والتّدرّج في الإصلاح، في وضع يكون فيه مستقرًا وكرامته مصونة وحقوقه ملباة، إلى حد ما على الأقل. لكنّنا، نحن البشر، وفي سعينا إلى الاستمرار (وهي بالمناسبة غريزة أساسيّة لجميع الحيوانات الأخرى)، عندما نفقد كرامتنا وقدرتنا على العيش والاستقرار (وهو حاجة أساسيّة)، خصوصًا حينما تصل الأمور عند نقطة انهيارٍ للثّقة بين المجتمع والدّولة.. تنعدم عندها آمال الشّارع في الإصلاح والتّغيير التّدريجي. وفي غياب أي نيّة حقيقية للإصلاح لدى السّلطة، تصبح مسألة الثّورة حتميّة، وقد تنفجر في أي لحظة.
عندما يخرج النّاس إلى الثّورة على النّظام، يكونون قد قرّروا أن يتمرّدوا على الخوف والخضوع للسّلطة، ويطالبوا بتغييرها، وبإعادة بناء المجتمع. الثّورة حالة متسارعة ومكثّفة من الحركة والتّغيّرات على المستويات الفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة وغيرها. ويشير فهِم طبيعة هذه الحالة إلى أنه لا يمكن للنّاس أن يعودوا قبل أن يحقّقوا مطالبهم المشروعة بالتّغيير، فالثورة لن تتوقّف حتى تحقّق أهدافها، لأن النّاس تريد أن تعيش وتتقدّم.
عندما يخرج النّاس إلى الثّورة على النّظام، يصبح الحديث عن الدّستور والقانون الذي فُرِض على النّاس، أو تّلاعبت به وخرقته كل الأنظمة، بلا قيمة أو معنى. خصوصًا عندما تستخدمه السّلطة من أجل نهب الشّعب وقهره، أو التّلاعب به وعلى ثورته ومطالبه. فقد أسقطت الثّورة شرعيّة النّظام والدّستور، لتحل محلّها شرعيّة الثّورة.
الأسابيع الّتي تمر بها الجزائر حاسمة، وهي تقف على مفترق طرق حسّاس. يتّضح فيها أن 
الشّباب قد تعلّموا من تجارب الرّبيع العربي السّابقة في مصر وسورية واليمن. يظهر ذلك في حرصهم الشّديد على سلميّة الثّورة، ووعيهم بضرورة الاستمرار في احتلال المساحات العامّة، حتى يتم تغيير كل رموز السّلطة، وبعدم الثّقة وترك الأمور لأي مؤسّسة، كالجيش. كذلك، المطالبة بتغيير النّظام وليس إسقاطه هو الذي يسود الحديث العام. بمعنى أنّهم لم يخرجوا لإسقاط السّلطة، بل لتغييرها. يعني تحقيق انتقال للسّلطة، وليس إحداث الفراغ، لأن الأولى تعني إزالة كل رموز النّظام السّابق، والمشاركة، بشكلٍ ما، في إعادة بناء الدّولة من جديد. بينما الثّانية تقود إلى فوضى تجعلهم هدفًا أسهل للثّورة المضادّة، سواء من الدّولة العميقة أو من القوى الخارجيّة.
هذه كلّها وغيرها أمور كانت غائبة تقريبًا عن وعي الشّباب في الموجة الأولى من الانتفاضات، وأدّت إلى تعقيد الصّراع وانتشار الخراب واليأس. ولعلّ من أهم دروس تلك الموجة أيضًا ضرورة تنظيم الثّورة، في بعض مراحلها وجوانبها على الأقل. لأن الثّورة تحتاج لأن تترجم مطالبها وتبني خطابها ورؤيتها، وتتواصل مع القوى الأخرى، وتحمي حراكها، وتوحّده خلف برنامج انتقالي، يحقّق غاياتها بالمضي نحو تحوّلٍ جذري، وبناء المجتمع الجديد الّذي تطمح إليه. وتحقيق ذلك يحتاج إلى التّنظيم.
ظهور نموذج إيجابي لحراك الشّعوب ضروري لبعث الآمال في المنطقة من جديد، وقد يهيّئ الظروف لموجةٍ جديدةٍ من الانتفاضات الشعبيّة في أماكن مختلفة. خصوصًا أنّ الأسباب والظّروف التي أدّت إليها ما زالت قائمة. نجاح السّودان والجزائر في ذلك ممكن، فلا تنقصهما الخبرة، ولا الوعي، والقدرة على تنظيم حراكهم الثّوري، وبناء برنامجهم، وهناك مثقّفون وعقلانيّون ثوريّون عديدون، وهم قادرون على حمل هذه المسؤوليّة الضروريّة.. علّ الأجيال القادمة تتمكّن من العيش بسلامٍ وأمان.
تعليق:
321A25FA-C83B-4FA0-B02E-8BB268A49337
فادي عميرة