الثورة والكوميديا

11 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم تكن التقاطة الفنان والمقاول، محمد علي، فكرة التظاهر وقت ذروة خروج الموظفين والطلبة إلى بيوتهم، من فيديو كوميدي يقدّمه الفنان تامر جمال عبر قناته "عطوة كنانة" على "يوتيوب"، هي العامل الكوميدي الوحيد في ما تشهده مصر هذه الأيام من احتجاجاتٍ تطالب بتنحّي الرئيس عبد الفتاح السيسي. وليست كذلك نجاح محمد علي في شد انتباه المصريين بالاستفادة من حضوره الكوميدي في فيديوهاته، التي يتكلم فيها كعامة الناس (سمعت مصريين يصفونه بأن دمه خفيف)، بل إن ما يحدث كله من أساسه يبدو مدفوعاً بكوميديا سوداء، تستند إلى مفارقة الحديث عن دولةٍ تقول إنها فقيرة، لكنها تبني قصوراً رئاسية مرتفعة الكلفة المالية! 
كمراقب عربي لما يجري في مصر، تستطيع أن تلاحظ بعداً آخر لهذه الكوميديا السوداء، فالحديث كله يدور اليوم على محاسبة الرئيس وعائلته ومقرّبيه على الفساد المالي، كما يُحاسب أي مواطن عادي على جرائم من هذا النوع، ليس إلا، ولم يتحدّث أحد عن محاسبته على ممارسته الاستبداد السياسي ومصادرته حقوق الشعب السياسية خلال السنوات التي حكم فيها مصر، وهو الأمر الذي حدث سابقاً مع كل الثورات العربية لدى انتقادها حكّامها المستبدين، أو محاكمتهم قضائياً إذا أتيح ذلك.
قبل السيسي، لم يحاسب أحد صدام حسين على تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية في العراق، والتي أفضت الأخيرة منها لفوزه بنتيجة مائة بالمائة. ولا يحاسب أحد اليوم عمر البشير على تزوير الاستفتاءات الرئاسية في السودان ثلاثين عاماً أمسك فيها رقبة البلاد والعباد. كذلك في مصر، لم يحاسب أحد حسني مبارك على تزويره انتخابات مجلس الشعب على مدار سنواته الثلاثين في الحكم، والتي ظل حزبه الوطني الديمقراطي يفوز فيها باكتساح، كما لم يُحاسب على تزويره الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية التي فاز فيها تباعاً بأصوات لا تقل نسبتها عن 95% من إجمالي الناخبين، لتكشف الثورة الشعبية لاحقاً أن مبارك كان مرفوضاً من معظم هؤلاء الناخبين! لكنه حوسب، قبل أن يخرج بريئاً، وكما يُحاسب البشير اليوم، على قتل المتظاهرين، والإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ، والإضرار بأموال الدولة، وهي قضايا يمكن أن يُحاسب عليها أي مسؤول كان على صلة بالمال العام، وكأن لا خصوصية لموقع واحدهم في رئاسة البلاد.
يبدو أن الكوميديا السوداء نفسها تتكرّر هذه المرة في الاحتجاجات ضد السيسي. تتحدث الثورة 
عن الفساد وعن الإيغال في الدم وحسب، ولا تتحدّث عن الاستبداد، على الرغم من أن هذا الاستبداد هو التهمة الحقيقية لأنظمةٍ ثارت ضدها الشعوب، بعد أن واصلت استيلاءها على السلطة من دون أن يجدّد الشعب موافقته عليها بشكل دوري كما يُفترض، وتصرّفت بها بعقلية العصابة؛ فلم تستعملها لخدمة الأوطان وتحقيق طموحاتها الكبرى في التحرّر والنهوض والتقدّم، بل لخدمة أغراضها الخاصة والضيقة.
هكذا، لا يبدو حتى الآن أن الاحتجاجات الشعبية في مصر تأخذ في اعتباراتها الأبعاد الاستراتيجية التي يجب أن تنطوي عليها الثورات الشعبية، والمعاني التاريخية التي تضفي عليها وجاهة أعظم، وهو الأمر الذي سيتحقق حين تدرك الثورات الجريمة الحقيقية لأنظمةٍ استولت على السلطة في غفلةٍ من التاريخ، فلم تنجز شيئاً على صعيد المصالح العربية؛ كمسألة التكامل الاقتصادي العربي، والتخطيط للنهوض العربي، وعلاقات العرب الدولية، وقضية التحرّر من الاحتلال والتبعية، كما لم تنجز شيئاً على صعيد المصالح الوطنية الداخلية؛ كمسألة حرية الفرد وحقوقه المدنية، ومستوى معيشته، والتقدّم العلمي للأوطان، بل كرست هذه الانظمة على العكس من ذلك كله، وما تزال، عبادة الفرد، وثقافة الخوف، والانقسام القومي، وأضرّت بالحقوق التاريخية والمصالح الاستراتيجية لأوطانها بسبب سياساتها الدولية.
ستكون الثورات ذات وجاهة تاريخية أعظم، لو تسأل المستبد الذي تثور عليه: هل لديك خطة استراتيجية لنهوض الوطن؟ وماذا فعلت لتحقيقها؟ وماذا بذلت لتذليل عقباتها؟ وهل قمت بمراجعتها وقياس نتائجها؟ وهل اخترت رجال سلطتك من أكفاء مؤهلين لتنفيذ الخطة؟ وكيف ولماذا قمت بتزوير إرادتنا لتجلس على كرسي السلطة؟ تماماً كما تسأله عن فساده الذي يهدر خيرات البلاد، وعن دمويته التي يدفع الشباب حياتهم وأحلامهم وطموحاتهم ثمناً غالياً لها.