الثورة السورية وبقعة الزيت

الثورة السورية وبقعة الزيت

26 نوفمبر 2018
+ الخط -
(من أرشيف مجلة "كش ملك" - بتصرف)

تغيرت الدنيا، وتغيرت الأحوال، ومحسوبكم أنا طلعت بالثورة، من أول يوم، ومخابرات بيت الأسد حطوا اسمي على الحواجز، ومديرية المخابرات العامة منعتني من السفر، وكان لسه معبر باب الهوى في يد النظام.

وقبل أن يدخل الجيش إلى إدلب في مارس/ آذار 2012، لأجل أن يعيد إلى أهلها الأمان والاطمئنان! هربتُ من إدلب، ونقلت مكاتبي الثورية إلى معرتمصرين، والشباب هناك اعتبروني شخصية توافقية وانتخبوني قائداً لمجلس قيادة الثورة..

ولكن، لما حرامية المازوت ما أعجبتهم قيادتي للثورة، عملوا لي مشكلة وطَفَّشُوني من البلد، فنزلت إلى حلب، وهناك لم أستطع أن أقعد عاقلاً، فاشتغلت بالثورة، ولكن بطريقة مخففة و(أكابر) على طريقة أهلنا الحلبيين!

ولما دخل "الجيش الحر" ليحرر حلب، وعلقت المعارك، واشتغل الرش والقصف، بقيت فترة تحت الخطر، لحد ما صار الوضع يخَوِّفْ (وعلى قولة أهل سراقب: بيوَخِّفْ)، بوقتها رجعت لمعرتمصرين، وتصالحت مع حرامية المازوت، وأعلنت اعتزال النشاط الثوري..


وفي يوم نزلت قذيفة على بعد ستة أمتار من مكان جلوسنا، قرب البريد، وما متنا والحمد لله، واقتصرت الأضرار على تكسر بلور سيارتي الخلفي، فرجعت إلى حلب، ورَكَّبْت للسيارة بلوراً جديداً، ورجعت إلى معرتمصرين، وضبيت أغراضي ودخلت تركيا (وكان باب الهوى في هذه الآونة قد أصبح محرراً)..

وبعدين البلد امتلأت بالكتائب المتناحرة، والشباب في مختلف المناطق تركوا النظام وصاروا يقتلوا بعضون البعض، وكل طرف بيقول عن التاني "خوارج" وأنا أقول لحالي: كويس أني (خرجت) قبل أن أصبح (خوارج).. هذا على صعيد الثورة والسياسة..

وأما على الصعيد الاجتماعي والنفسي، فقد كبرنا، و(هرمنا)، واضطرتني الظروف أن أقعد أنا في بلد، ومرتي في بلد آخر، وأبنائي كل واحد في بلد. ولأنني في سن الشيخوخة أصبحتْ أم الأولاد تقلق عليَّ مثلما كان "بانكيمون" يقلق على الشعب السوري، وكل يوم تتصل بي وتوصيني أن أنتبه وألبس ثياباً سميكة حتى ما ياخدني برد..

ولما غلطت مرة (على قولة وديع الصافي: غلطنا مرة) وقلتلا أن ضهري عم يوجعني، صارت كل يوم تتصل وتسألني: لسه ضهرك عم يوجعك؟ أيش صار بوجع ظهرك؟
وأنا بقول لها: لا، خلص. ما عاد يوجعني.

بالأخير ظنتْ أني أخبي عليها آلامي حتى تطمئن، وصارت تلح علي أن أحكي لها الحقيقة، إلى أن خطرت لي فكرة، ونفذتها بالحال. طلبت من جاري أن يأخذ لي صورة بالموبايل، وبعثها لها بالواتس آب. وكتبت لها: شوفي شقد صحتي كويسة ووجهي منور. الله وكيلك ما عاد يوجعني ضهري.

وإذ بتقلي: وشو هالبقعة الموجودة على قميصك؟
قلت: أنو بقعة؟
ثم تذكرت. إنها بقعة زيت نزلت على قميصي حينما كنت أتناول (المكدوس) بناء على نصيحة من صديقي المهندس ماهر حميد.

وهكذا سادتي.. خسرنا كل شيء وبقي لنا شيئان: المكدوس والسمعة الحسنة.. وبعد زمن قصير خسرنا السمعة الحسنة!