الثقافة السورية في لجوئها: القوارب وحدها لا تستطيع العودة

الثقافة السورية في لجوئها: القوارب وحدها لا تستطيع العودة

29 ديسمبر 2015
الصورة
"العشاء الأخير في سورية"، وسام الجزائري / سورية
+ الخط -

من المخاطر التي تخلقها الأزمات والحروب الكبرى، كما في الحرب السورية اليوم، هي جعلها سؤال الثقافة وتغيّراتها هامشياً، بالآلية نفسها التي تهمّش الفرد وتجعله رقماً قابلاً للمساومة والتفاوض السياسي والضغط الاقتصادي.

ويبدو من الصعب تحديد صفات وملامح واضحة للثقافة السورية بعد قرابة خمس سنوات على الثورة السورية التي تنازعت قميصها الدامي أطراف مختلفة ولا تزال. ورغم طفرة الفنون البصرية إلا أن المشهد الثقافي السوري في بلاد اللجوء لم يتغير كثيرا عما كان عليه قبل 2011، وإن تغير الخطاب أو الاصطفاف السياسي.

ما من مؤشر يمكن أن يبشر بملامح ثقافة سورية في بلاد اللجوء، سواء كان على صعيد الأدب والفنون عامة، إذا ما استثنينا الفن التشكيلي السوري الذي كان متميزاً منذ جيل الرواد. هكذا، وفي كل عام نجد أنفسنا أمام أسماء ومواهب جديدة تكشف عنها المعارض التي تقام في بلاد اللجوء القريبة منها والبعيدة، والتي أخذت تحظى باهتمام عربي وعالمي.

وحتى يستقيم حديثنا لا بد أن نذكّر بحالة الخواء الثقافي في سورية قبل 2011 في العقدين الأخيرين تحديداً، حيث بدت بلدا مفرغاً من المبدعين والمفكرين، ولعل احتفالية "دمشق عاصمة للثقافة العربية" عام 2008 هي أفضل من كشف حالة الخواء تلك.

إن موجة اللجوء الكبرى، التي ما زال السوريون يتعرفون إليها بمرارة، والتي لم يعرفها تاريخهم القديم ولا المعاصر من حيث العدد أو من حيث الفظاعة المتعاظمة يومياً؛ اكتسبت بسبب التموضع الجغرافي والسياسي لبلادهم بعضاً من التصورات التي عرفوها من يوميات لاجئي الجوار المشتعل منذ أكثر من نصف قرن، فعايشوا يوميات الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والأكراد في البلدان المجاورة.

كان لجوء السوريين في هذه السنة التي تودع الآن آخر أيامها، عنواناً رئيسياً، حيث تتزايد أعدادهم بشكل طردي مع اضمحلال أفق الحل السياسي واستشراس طائرات النظام وحلفائه في السماء وسكاكين داعش ومثيلاتها على الأرض. وفي حين تتصدّر التظاهرات والفعاليات الثقافية للسوريين في بلاد اللجوء، صور قوارب الموت، تبدو صور الداخل والعودة إليه أكثر بعداً وضبابية.

لا بد من الملاحظة هنا أهمية دراسة تفاعل وتأقلم ما سينقله اللاجئون السوريون معهم في قواربهم من أنماط عيش ولهجات وأساليب طبخ ورقص وطرب، حتى يتمكنوا من العيش في المجتمعات الجديدة، من دون أن ينقطعوا مع إخوتهم الذين ما زالوا يعيشون هناك في الداخل، يكملون حياتهم كي لا تتحول البلاد كما هي عليه في نشرات الأخبار: ساحة للحرب فقط، ولكي تبقى البلاد صالحة للعودة.


اقرأ أيضاً: ملتقيات دمشق الشعرية: الحياة قرب ماكينة الموت

المساهمون