الثقافة التونسية 2016: عاصمتان تحت سماء ملبّدة

08 يناير 2017
الصورة
(من تونس العاصمة، ديسمبر 2016، تصوير: أمين الأندلسي)

منذ بدايتها، وفي ما عدا الآمال الروتينية بسنة أفضل، لم يكن متوقّعاً لـ 2016 أن تكون سنة ثقافية مزدهرة في تونس، فالحماسة التي صحِبت كل نشاط ثقافي بعد 2011 وما بعدها أخذت تخبو عاماً بعد عام. لكن ضمور هذه الحماسة أخذ يكشف عن قوى دفع جديدة يمكن تحسّسها خصوصاً في التدفّق الإنتاجي في عدّة مجالات إبداعية مثل الرواية والسينما والمسرح.

من بين الملاحظات الإيجابية التي يمكن التقاطها هي نهاية ذلك الانضواء الجماعي الذي يجعل الفنانين والكتّاب يبدون وكأنهم يفكّرون أو يبدعون ضمن توجّه عام. هنا، نذكر أن الحديث عن "الإرهاب" ومقارباته هيمن على سنتي 2014 و2015، وقبل ذلك تحوّلت الثورة ومحاسبة العهد السابق إلى قاسم مشترك بين معظم الأعمال.

كان من المتوقّع أن تكون "صفاقس.. عاصمة الثقافة العربية 2016" (المستمرة منذ شهر يوليو/ تموز) هي حدث العام الأبرز، غير أن التظاهرة لم تقدّم أي شكل من أشكال الإشعاع. ولعلّ ما حدث فيها يكشف صعوبة تنظيم التظاهرات الثقافية خارج تونس العاصمة، كما يفضح هشاشة البنية التحتية للثقافة في ثاني أكبر مدينة تونسية، وهي عوامل اضطرّت المنظّمين إلى حلول ارتجالية لم تستطع إنقاذ التظاهرة.

من زاوية أخرى، كان للابتعاد عن العاصمة فوائده، فقد انتفعت التظاهرة من قلّة التركيز الإعلامي بحيث بقيت هناتُها بعيدة عن الأضواء، تلك التي تسلّطت بقوة على تفاصيل تنظيم "أيام قرطاج السينمائية" (تشرين الأول/ أكتوبر) فجرى إبرازها كإحدى أكثر الدورات كارثية، كان ذلك - وللمفارقة - في السنة التي احتفل فيها المهرجان بخمسينيته.

بعد ذلك بأيام قليلة، احتضنت تونس وتقريباً في القاعات نفسها، "أيام قرطاج المسرحية" (تشرين الثاني/ نوفمبر) التي لم يكن من الممكن أن تتجاوز حالة الفتور الجماهيري عقب الانتقادات التي تعرّض لها المهرجان السابق، وإن أتى البعض بتفسير آخر، وهو تتابع التظاهرات في فصل الخريف الذي بات يشبه تتالي الأطباق الثقافية دفعة واحدة مقابل "تصحّر" في بقية العام.

التظاهرة الثقافية الأساسية الأخرى للسنة كانت "معرض الكتاب" (آذار/ مارس) والذي بدأ المشرفون عليه منذ دورات قليلة يشقّون طريقاً بعيداً عن منطقة التذمّرات الجاهزة في الصحافة أو من قِبل الناشرين والزائرين. رغم ذلك سجّل المعرض تراجعاً طفيفاً في تنظيم الفعاليات الثقافية الموازية وفي حضور الضيوف ودور النشر الأجنبية.

يحيلنا الحديث عن "معرض الكتاب" إلى منظومة النشر في تونس، خصوصاً حين نعلم محورية موعد المعرض في روزنامة دور النشر التونسية، وهو ما بات يعيد إنتاج خلل في توزيع الإصدارات على مدى الشهور، فتنظيم المعرض في الشهر الثالث من السنة يكاد يحصر الثقل الإنتاجي في الربع الأوّل من العام.

في الأثناء، يمكن ملاحظة طارئ جديد في ميول القراءة، وهو أن الإنتاجات الروائية التونسية باتت تتفوّق جماهيرياً على بقية الاهتمامات، بل يمكن تحسّس بداية تبلور سوق تتوسّع شيئاً فشيئاً، وهو ما يبرزه وصول رواية "الطلياني" لـ شكري المبخوت إلى طبعتها التاسعة ونفاد نسخ رواية "مكينة السعادة" الصادرة في صيف العام المنقضي لـ كمال الزغباني حتى أن الكتاب لم يكن متوفّراً في حفل تقديمه في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

ظاهرة إيجابية أخرى يمكن تسجيلها هنا، وهي أن السنوات الأخيرة تتمخّض عن تراكم في مؤلفات مجموعة من الكتّاب، وهو أمر لم يحدث إلا نادراً في تونس، فقد واصلت أسماء عديدة إيقاعها في النشر السنوي للسنة الثالثة على الأقل، مثل شكري المبخوت (نشر في 2016 رواية "باغندا" عن "دار التنوير")، وأم الزين بن شيخة (نشرت "الفن في زمن الإرهاب" عن "ضفاف")، والطاهر أمين (نشر "خطابات الإسلام التونسي" عن "دار سحر" و"الديمقراطية في الإسلام السني والإسلام الشيعي" عن "ورقة للنشر")، والصافي سعيد (نشر رواية "الكيتش" عن "سوتوميديا")، وتوفيق بن بريك (نشر "الإخوة هملت" عن "دار الجنوب").

ما يلفت أيضاً في 2016 هو تعدّد مساهمات السياسيين في التأليف، مثل كتاب "تونس.. ثورة في بلاد الإسلام" ("سيريس") لـ عياض بن عاشور و"يوميات وزير انتقالي" (نفس الناشر) لـ حكيم بن حمودة و"ما بعد العلمنة والأسلمة" ("ورقة") لـ محمد القوماني.

وإذا كانت السنوات القليلة الماضية قد شهدت تواتر ظهور أعمال فكرية بين الدراسات والترجمة، فإن هذا النسق تباطأ في 2011 في ما عدا إعادة إصدار بعض المؤلفات لـ فتحي المسكيني وجلال الدين سعيّد، أو صدور بعض المؤلفات مثل "الحداثة الخجولة" ("مجمع الأطرش") لـ محمد علي الكبسي أو "الافتراضي والثورة" ("المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات") لـ جوهر الجموسي و"الفكر المسيحي الكاثوليكي المعاصر والآخر" ("مؤمنون بلا حدود) لـ عيسى جابلي وكذلك إصدار فتحي بن سلامة لكتاب "ما فوق المسلم" في فرنسا. مقابل هذا التراجع على مستوى النشر، شهد العام حركية أكبر في تنظيم المحاضرات.

يمكن تحسّس هذا الانتظام في الإنتاج في مجال آخر هو المسرح، ففي سنة 2016 قدّم توفيق الجبالي عملين هما "التابعة" و"المجنون" المقتبس عن كتاب بالعنوان نفسه لـ جبران خليل جبران، ابتعد في كليهما عن مفردات أسلوبه المسرحي المعهود لصالح إعطاء دور أكبر للسينوغرافيا. كما قدّم غازي الزغباني في نهاية السنة عملاً جديداً بعنوان "روميو وجولييت"، مع استمرار عروض مسرحيته "بلاتو" التي أًنتجت في السنة الماضية، فيما تواصلت - ولا تزال في 2017 - عروض مسرحية "عنف" لـ فاضل الجعايبي وجليلة بكار.

من جانب آخر، برزت أعمال أخرى مثل "شقف" لـ سيرين قنون التي صاغت فكرةً مسرحية لوالدها عز الدين قنون الراحل في 2015، وقدّمت سنية زرق عيونه مجموعة أعمال من بينها "بيس" و"الخادمة زرلينا" ومعالجة تونسية لمسرحية "ماكبث".

ما يسجّل في 2016 أيضاً هو تنوّع منطلقات الأعمال وأدواتها وتوسّع دوائر اهتمامتها، من كوريغرافيا عماد جمعة في "جمهور" التي تضيء واقع هذا المجال في تونس، إلى العودة لرقصة من بداية القرن العشرين في "أولاد جلابة" لـ رشدي بلقاسمي، مروراً بمسرحية "سابينس" لـ عصام عياري ووليد العيادي التي تنهل من الخيال العلمي.

سنجد في سينما 2016، تراكماً شبيهاً، وهو ما يبدو مثل طفرة إنتاجية بدأت تتشكل منذ 2015 حيث إن قاعات السينما المحلية بدأت لأول مرة تسيطر على برامجها العروض التونسية وبحضور جماهيري لافت. بدأ ذلك في الأشهر الأولى من السنة مع "عزيز روحو" لـ سنية شامخي، ثم قدّمت جوائز فيلم "نحبّك هادي" في "مهرجان برلين" دَفعة أخرى لهذا الاهتمام الجماهيري، سيدعمها لاحقاً فوز فيلم "زينب تكره الثلج" بـ"التانيت الذهبي" في قرطاج.

ما يمكن ملاحظته في مجمل المشهد السينمائي 2016 هو نجاحات أفلام المخرجين الشباب مقارنة بأعمال جيل الكهول، حيث لم يحقّق فيلم "زيزو" لـ فريد بوغدير المأمول من عمل يعود به مخرجه بعد غياب عشرين عاماً، وبدرجات متفاوتة يمكن تعميم ذلك على مخرجين آخرين مثل مختار العجيمي في "قصر الدهشة" و"خسوف" لـ فاضل الجزيري و"زهرة حلب" لـ رضا الباهي بسقوط في الاستعراضية أو المباشراتية السياسية وهو ما نجح في تحاشيه المخرجون الشباب.

قد لا تكون حصيلة 2016 سلبية تماماً، غير أن ذلك لا يمنع وقوع المشهد الثقافي التونسي في نفس الأخطاء والنواقص. لعلنا إزاء عدم قدرة على التجاوز، ولكن هل ذلك ممكن في ظلّ هيمنة مناخ من التذمّر والتصيّد وقلة الحيلة والإمكانات؟ هل نأمل ذلك في 2017، كي لا تظلّ الثقافة التونسية محرّكاً يشتغل بأدنى قدراته، وإن قال آخرون بأنه على الأقل يشتغل.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستقلالية كخدعة سينمائية
انتهت "أيام قرطاج السينمائية" إلى "فضائح" سلّط عليها الإعلام أضواء كاشفة في وقت ظلّت فيه السينما في الهامش. أكثر من إشارة يمكن التقاطها، فالمهرجان قد بدأ يقطع بعض الخطوات نحو استقلاليته عن وزارة الثقافة، ولكن يبدو أن كل شيء رُتّب من أجل القول بأن التظاهرات الثقافية لا يمكن أن تخرج من قبضة الدولة، سواء من خلال انفلات التصيّد الإعلامي أو بسبب أخطاء التنظيم المجانية التي يبدو بعضها مقصوداً.