الثانوية العامة في مصر.. الكابوس القاتل

13 يونيو 2017
الصورة
ما زالت امتحانات الثانوية العامة تمثل كابوساً لطلاب مصر(Getty)


لم تتحمّل "أمنية" ضياع حلمها بسبب صعوبة امتحان اللغة الأجنبية الأولى للثانوية العامة فأصيبت بأزمة قلبية حادة أدت إلى وفاتها بعد أداء الامتحان بإحدى لجان محافظة بني سويف، وكان طلاب الثانوية العامة قد أدوا امتحان اللغة الأجنبية الأولى يوم الخميس الموافق 8 يونيو/ حزيران 2017 وشهد كثير من اللجان حالات إغماء كما اشتكى الغالبية من صعوبة الأسئلة وغموضها واحتواء الامتحان على ألغاز مبهمة، بالإضافة إلى نقاط كثيرة للطالب المتميز.

وأمام اللجان ارتفعت أصوات البكاء والصراخ والانهيار بين الطلاب وسادت حالة من الغضب بين أولياء الأمور المنتظرين لأبنائهم، وفي امتحان مادة الفيزياء الأحد 11 يونيو/ حزيران عاش الطلاب حالة من التوتر والرعب الشديدين بسبب الخوف المتوارث من مادة الفيزياء عبر السنوات الماضية وشهدت بعض اللجان حالات إغماء وصراخ ونوبات بكاء رغم تباين آراء الطلاب حول صعوبة وسهولة الامتحان، والأسوأ أن فتاة بمحافظة المنوفية أقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها في بحر شبين الكوم من أعلى كوبري المشاة.



باعتبار أن الثانوية العامة في مصر هي بوابة العبور الوحيدة للمستقبل تتساءل "سمية سيد" ولية أمر إحدى الطالبات: ما الفائدة من الامتحانات التعجيزية، لماذا يهدموا حلمنا وحلم أبنائنا بعد تعب وضغط وإرهاق ومذاكرة عام كامل وبعد إنفاق الأسرة كل دخلها تقريبا مقابل الدروس الخصوصية، ولماذا يتحدد مصير أبنائنا بمجموع درجات في منظومة تعليم فاشلة!

وبكلمات محملة بالقهر والظلم تعلق "ندى" طالبة بالثانوية العامة: يا رب النجاح والتوفيق فقط من أجل أمي وأبي وحتى لا أكسر بخاطرهما.

 

نظام البوكليت

صعوبة الأسئلة ليست العقبة الوحيدة في امتحانات الثانوية العامة بعد أن اشتكى معظم الطلاب من نظام "البوكليت" الذي طبقته الوزارة لأول مرة هذا العام في سعيها للقضاء على ظاهرة الغش الإلكتروني، والتي انتشرت بشكل واسع في السنوات الماضية ويعتمد في الأساس على دمج ورقة الأسئلة والإجابة في كراسة واحدة، على أن يشتمل امتحان كل مادة على أربع نسخ مختلفة من حيث ترتيب الأسئلة (أ. ب. ج. د).

بحسب أرقام الجلوس يتحدد نصيب كل طالب من النسخ الأربع، إلا أن عدم تدريب المراقب بشكل عملي على توزيع البوكليت وضع لجاناً في مأزق خطأ التوزيع، فبعد امتحان مادة اللغة العربية حاولت "دينا الخطيب"، إحدى أولياء الأمور، الاستغاثة بأي مسؤول لأن المراقب في لجنة ابنها وزع "البوكليت" بشكل خاطئ ثلاث مرات متتابعة، وفي كل مرة يكتب الطالب اسمه على البوكليت ويبدأ في الإجابة على أسئلة الامتحان حتى يكتشف المراقب خطأ التوزيع ويتم إعادة التوزيع من جديد بعد شطب كل طالب اسمه وإجاباته في كل مرة، وبعيداً عن الوقت الذي أهدر والتوتر الذي عاشه الطلاب مع أول مادة، تتساءل عن مصير هذه اللجنة ولماذا يدخل طلابها لجنة خاصة في التصحيح بسبب جهل وعدم تدريب المراقب!

 

استمرار التسريبات

ورغم اهتمام وزارة التربية والتعليم هذا العام وتشديد الرقابة وكذلك العقوبات على الغش الإلكتروني إلا أن حالات الغش وتسريب أسئلة الامتحانات على مواقع التواصل الاجتماعي تزامنت مع المادة الأولى واستمرت مع كل مادة وآخرها ضبط الجهات السيادية مواطناً عادياً ليس مدرساً أو ملاحظاً بعد أن قام بنشر إجابات مادتي الفيزياء والتاريخ بعد بدء الامتحان بدقائق عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وكذلك ضبط طالب في أحد لجان أسيوط وآخر في المنصورة قاما بتصوير بعض أسئلة امتحان الفيزياء وإرسالها لمواقع الغش الإلكتروني.

 




الحلم والمستقبل

وتوضح د. شيرين سالم الخبيرة التربوية لـ "العربي الجديد" أن ما يحدث من إغماءات وبكاء وصراخ بين طلاب الثانوية العامة نتيجة أن الطالب يعرف جيداً أن مجهود 12 عاماً دراسياً يتوقف على درجات هذا الامتحان تحديداً، ويعلم أنها سنة فاصلة في حياته وبالتالي الجميع يرى في ورقة امتحان الثانوية العامة "الحلم والمستقبل".

تتابع سالم: "أتمنى أن يتطور التعليم في مصر بالقدر الذي يجعل من الثانوية سنة عادية فلا توجد دولة يحدث فيها مثل هذه المهازل التي نتابعها طوال العام، سواء من ضغط الأهالي وإعلان حالة الطوارئ في الأسرة وقلبها رأسا على عقب أو جشع المدرسين وتفرغهم للدروس الخصوصية لمص دماء أولياء الأمور، وكذلك كمية التوتر والتعب الذي يعيشه الطالب في سبيل حفظ كمية رهيبة من المعلومات الصماء والحصول على مجموع فلكي يتناسب مع تنسيق الكليات في السنوات الأخيرة".

وحسب رأي سالم، فإنه حتى تتحول الثانوية العامة إلى سنة عادية لا بد أن يبدأ التغيير من المناهج نفسها لتعطي قيمة واهتماماً بكل الوظائف بدلاً من اقتصار التمجيد على وظائف الطب والهندسة وبرمجة الطفل منذ الصغر على التركيز في الحفظ والمذاكرة ونيل أعلى الدرجات ليصبح طبيبا أو مهندسا، مع العلم أن هناك كثيراً من الطلاب لديهم قدرات مهنية متميزة وأقوى من قدراتهم الذهنية ومع هذا يصر الأهالي على إلحاقهم كليات بعينها تضمن لهم مستوى اجتماعياً راقياً وحياة كريمة بحسب معايير المجتمع.

 

تهديد الأمن القومي

وتواصل سالم: "نظام البوكليت الجديد ما هو إلا نظام ينظم عملية وضع الأسئلة وترك مساحة للإجابة تحت كل سؤال، كما أنه يحد من فرص الغش التي تبناها "شاومنج" في السنوات الماضية، ومع هذا لا يمكن القول بأن "البوكليت" سيقضي نهائياً على ظاهرة الغش الإلكتروني والدليل على ذلك تسريب بعض من أسئلة امتحان كل مادة بعد موعد بدء لجان الامتحان.

وتضيف: "أتخيل أن تسريب أسئلة الامتحانات لم ولن يتوقف إلا بوضع نظام رقابة شديدة وقرارات قوية مثل قطع خدمة الإنترنت خلال ساعات الامتحان أو على الأقل في نطاق اللجان فقط ومهما كانت أضرار هذا القرار فلن يضاهي أضرار تسريب الامتحانات، والتي أصبحت تهدد الأمن القومي لمصر، فعندما يتخرج طالب من الثانوية ليلتحق بكلية غير مؤهل وغير كفء لها ستخرج لنا أجيال فاشلة وغير واعية وغير مدركة لأهمية بناء البلد والنهوض به.

كذلك تبين سالم أن تقنيات وضع الأسئلة من الواضح أنها تخضع هذا العام لمعايير مختلفة ولهذا بدت مقلقة، فالأساس في وضع أسئلة الامتحان أن تمثل 75% من الأسئلة للطالب العادي و25% للطالب فوق المتوسط والمتميز، إضافة إلى مقاييس أخرى كلها تصب في مصلحة الطالب، لكن عندما تصل الصعوبة إلى 50% كما يشتكي الطلاب فهنا تكمن المشكلة.

وفي النهاية تتمنى الخبيرة التربوية ألا يكون هناك ربط بين صعوبة امتحانات هذا العام والرغبة في تمرير نظام الثانوية العامة الجديد وجعله ثلاث سنوات باختبارات نقل عادية، مؤكدة أن هذا النظام لا يمكن تطبيقه إلا بعد وضع قواعد ثابتة وواضحة لكل من الطالب وولي الأمر، قواعد تضمن الحيادية وحق كل طالب متميز في قدرات معينة أن يضمن له مكاناً بالفعل في الكلية التي تناسب قدراته.

 

 

 

تعليق: