التيه الثوري في سورية

التيه الثوري في سورية

12 يونيو 2014
+ الخط -
لكلمة التيه معنى ودلالة، مستقلان عن الدلالة التوراتية بشأن تيه الأربعين عاماً لبني إسرائيل، يتجلى هذا المعنى، عندما يختص الحديث عن التيه في الثورة السورية. نعم، نحن تائهون بعد ثلاث سنوات، هذا ما يجب الاعتراف به، أولا وقبل أي شيء، خصوصاً بعد الكم الهائل من الدماء المراقة في البلاد، والتي يكثر الحديث عنها، من جميع الأطراف، حتى من يمتهنون اراقتها.

لا يختلف اثنان على أن السوريين أجبروا على حمل السلاح، نتيجة للقمع المفرط من النظام السوري، لكن هذا السلاح كان بداية الدخول في معترك التناحرات الثورية، والتداخلات، التي أفضت، في نهاية الأمر، إلى تزايد العنصر الأجنبي في البلاد، وعمله لما هو أبعد من محاربة نظام الأسد، لتصبح، مع الوقت، مسألة إسقاط الأسد ثانوية لدى بعضهم، لصالح أجندات مغايرة لما قامت عليه الثورة السورية.

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" غارق في دم السوريين، والنظام كذلك وبين هذا وذاك، تبدأ معادلة التيه المخيفة، المتضمنة سؤال، يبدو للوهلة الأولى عادياً، من سنحارب أولا؟

متابع الأحداث في سورية سيجد أن فئات كثيرة محاربة للنظام، خصوصاً في شرقي البلاد، رفضت الانخراط في قتال "داعش"، متذرعة بالخوف من الفتنة، وهذا ربما يكون صحيحاً بشكل جزئي، فالمطلع على أسماء عناصر التنظيم الحاليين، خصوصا في المناطق الشرقية، سيجد أن كثيرين منهم هم أبناء تلك المناطق، الذين انضموا إلى الدولة بعيد استفحالها في الجسد السوري، والربط بين هؤلاء والنظام صعب جداً، لأنهم عرفوا بثوريتهم، وجَلَدِهْم في مقارعة عناصر الأسد، قبل دخول التنظيم إلى سورية بأكثر من خمسة أشهر، حتى إن كثيرين منهم كانوا يقاتلون تحت أسماء تجمعات أخرى، قبل أن يبايعوا التنظيم وأميره البغدادي. لكن الأخطر أن الباحث في قادة التنظيم والعناصر الأجنبية فيه سيجد لدى كثيرين منهم ارتباطات، وأجندات تابعة للنظام، وداعميه مثل إيران.

على الجانب الآخر، تجد مجالاً للتفكير المتعقل في تبريرات الكتائب المعارضة للأسد، والتي تؤكد أنها في منأى عن قتال "داعش"، لأن ذلك سيضعف قدراتها في محاربة النظام، وهي المترهلة أساساً، بفعل انعدام الدعم من الجهات التي تبنت "إعانة الشعب السوري في ثورته ضد الأسد".

الخوف الآن من أن ينتقل هذا التيه المسلح، إلى فكرة تحول خلاف الكتائب المقاتلة للأسد، والأخرى التي تفضل التخلص من تنظيم الدولة "داعش"، إلى صراع آخر مسلح، تكون الثورة والشعب السوري الخاسر الأكبر فيه.

وما بين الرأيين يصبح لازماً الخروج من هذا الضياع عبر آلية إصلاحية، لسبل استخدام هذه القوى لمقدراتها القتالية، وتوجيه المعارك القائمة بما يضمن عدم استمرار الموت المجاني للسوريين، بين محاربة للنظام وأخرى لداعش، وما يسببه الأمران من مآسٍ للمدنيين الذين لا يجدون، اليوم، سوى التنقل نازحين من قرية إلى أخرى، حتى يصلوا إلى ما وراء الحدود، حيث يكون التيه السوري في أعظم أشكاله، في ملاجئ أصبحت الكثير من دولها، تقول على رؤوس الأشهاد، نحن لا نرغب بالسوريين في بلادنا.
 
avata
عبد السلام الشبلي (سورية)