التوتر الأميركي الإيراني... طبول حرب أم رسائل سلام؟!

22 مايو 2019
ضجت وسائل الإعلام الإقليمية والدولية بالحديث عن قرب اشتعال حربٍ دامية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة، وذلك بعد قيام الأخيرة بإرسال منظومة صواريخ دفاع جوي من نوع باتريوت، وحاملة طائرات، إضافةً إلى قاذفات بي 52 الاستراتيجية إلى منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل تضارب التكهنات واختلاف آراء الساسة بين من يرجّح التصعيد ومن يتوقع العودة إلى طاولة المفاوضات بين الطرفين، سنسلّط الضوء في هذه التدوينة على أبرز الأسباب التي قد تدفع الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات، والعوامل التي قد تحفز التصعيد، مع ترجيح أحد الاحتمالين وفق ما يتم سرده من أسباب..

العوامل التي قد تدفع نحو مزيدٍ من التصعيد:
الموقف الإسرائيلي الداعم للحرب
تدعم دولة الاحتلال التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران، إذ تُعدُّ دولة الاحتلال المستفيد الأول من هذا التصعيد؛ إذ تأمل من ذلك القضاء على العدو الأول لها وهو الجمهورية الإيرانية، دون الخوض في مواجهةٍ مباشرةٍ معها، أو على الأقل ضمان كون الولايات المتحدة رأس الحربة في هذه المواجهة، ويعمل اللوبي الصهيوني بكل ما يملك من قوةٍ لإشعال فتيل هذه الحرب، وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر من أكثر رؤساء الولايات المتحدة تأثرًا بضغوط اللوبي الصهيوني، وقد انعكس ذلك جليًا في قراره المتعلق بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بالإضافة إلى اعترافه بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان، ومن المرجّح أن يُسهم نفوذ اللوبي الصهيوني في حكومة ترامب في رفع احتماليات اشتعال الحرب الأميركية مع إيران.

نشوة الانتصار لدى الإيرانيين
ليس من المتوقّع أن ترضخ إيران للشروط الاثني عشر التي أعلنتها الولايات المتحدة والتي تتلخص في إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة وإيقاف الأنشطة النووية، وخصوصًا بعد أن خرجت إيران منتصرةً من سورية، واستطاعت أن توجد مليشيا ضاربة تابعة لها في اليمن، بالإضافة إلى تقوية حزب الله في لبنان، وتشكيل مليشيات الحشد الشعبي في العراق، وبناءً على ما سبق: وفي ظل الانتصارات والإنجازات التي حققتها إيران في المنطقة خلال العقد الأخير، فليس من المتوقع أن تنصاع للإملاءات الأميركية من دون اللعب بأوراقها، وتحريك أذرعها الضاربة، وهو ما قد يضع المنطقة على شفا حرب.


عدم استقرار المنطقة
شهد العالم بشكلٍ عام ومنطقة الشرق الأوسط حالةً من التوتر والفوضى خلال العقد الأخير؛ إذ نشب الصراع في مناطق عدة ابتداءً من أوكرانيا وصولاً لفنزويلا، وانتهاءً بالمنطقة العربية، وفي ظل ظروفٍ دولية وإقليمية مشابهة فإن التلويح بالقوة قد يؤدّي إلى الانزلاق نحو المواجهة، وذلك في ظل تكوين الأحلاف وزيادة التعبئة والاستقطاب.

الدافعون الأميركيون نحو الحرب
على الرغم من عدم وجود إجماع داخل النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة يؤيد التصعيد العسكري ضد إيران، إلا أن هناك عدة شخصيات وازنة في الحكومة الأميركية تجعل الحرب ضد إيران أقصى أولوياتها، ولعل أبرز هذه الشخصيات وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو والذي يعتبر من أشد الداعمين للحرب، بالإضافة إلى مستشار الأمن القومي جون بولتون والذي أكدت مجلة نيوزويك الأميركية أن بقاءه في منصبه سيتسبب في إشعال حربٍ مع إيران ونصحت الرئيس الأميركي بإقالته لتجنب هذه الحرب.

معوقات الحرب الأميركية على إيران
يوجد العديد من الكوابح التي تمنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التوجّه نحو حربٍ مفتوحة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولعل أبرزها:

أولاً: الخلاف الأميركي الداخلي
تنقسم النخبة السياسية في الولايات المتحدة حول سياسة التصعيد مع إيران؛ حيث يعارض الديمقراطيون بأغلبيتهم أي تحرك عسكري للولايات المتحدة ضد إيران، وقد عبرت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عن ذلك بقولها: "إن الرئيس دونالد ترامب لا يملك تفويضًا من الكونغرس بشنّ حربٍ على إيران، ولم تقتصر المعارضة على الديمقراطيين بل أبدى بعض النواب الجمهوريين تحفّظه على الخطوات التصعيدية التي اتخذتها إدارتهم ضد إيران.


ثانياً: الرفض الشعبي الأميركي لأي حروب جديدة
عانى الشعب الأميركي طويلاً من تبعات الحرب الأميركية على العراق عام 2003، وقد أوجدت تلك الحرب بتكاليفها الباهظة حالةً من الرفض القابع في لاوعي الشعب الأميركي لخوض أي حروبٍ جديدة خارج حدود الولايات المتحدة، إضافةً إلى ذلك لا يوجد حافز يدفع الشعب الأميركي لتأييد حربٍ أميركيةٍ ضد إيران، وذلك خلافاً لما حدث في حرب العراق؛ حيث سبقتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي أدت إلى حالةٍ من السخط والغضب لدى الشعب الأميركي، وهو ما أضفى غطاءً شعبيًا على الحروب التي شنّها الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن، وبناء على ما سبق: وفي ظل غياب الحافز الشعبي بسبب عدم وجود حدث دامٍ يحرك غضب الشعب الأميركي، فإنه من المستبعد أن تكون هناك حربٌ مباشرةٌ بين البلدين ما لم يتم اصطناع ذلك الحدث وهو أمرٌ واردٌ يمكن أن تقوم به دولٌ داعمةٌ للحرب مثل "إسرائيل" أو بعض دول الخليج.

ثالثاً: الخسائر المحتملة للطرفين
من المتوقع أن يتحمل الطرفان الإيراني والأميركي خسائر فادحة إذا ما اشتعلت الحرب بينهما، فإيران دولةٌ إقليميةٌ وازنةٌ لديها جيوش من المليشيات القادرة على إيذاء مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، ابتداءً بالضغط على القوات الأميركية في العراق وصولاً إلى إلحاق الضرر بتجارة النفط العالمية، وانتهاءً بالمس المباشر بأمن إسرائيل الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، أما عن الخسائر التي قد تتكبدّها إيران فقد تصل إلى حد سقوط النظام الحالي في حال الدخول في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، ما لم تحظَ إيران بالدعم الروسي في هذه الحرب.

وبناءً على ما سبق يمكن القول: إنه وفي ظل ما أسلفنا من محفزات الحرب الأميركية على إيران وكوابحها فليس من المتوقّع أن تقوم الولايات المتحدة بشن حربٍ مفتوحةٍ على إيران بشكلٍ مباشرٍ، ولكن من خلال ما تمّ استعراضه فمن المرجّح أن تشهد المنطقة حالةً من المناوشات المتقطّعة بين إيران والولايات المتحدة تبدأ في بلدان الخليج من خلال زيادة الضغط الإيراني على هذه البلدان، ومحاولة التأثير على الأسعار العالمية للنفط من خلال استهداف مصافي النفط في السعودية والإمارات أو ناقلات النفط في مضيق هرمز بشكل متقطع، وربما حثّ الحكومة العراقية على تخفيض إنتاجها من النفط، وقد تتطور المناوشات وصولاً إلى المساس المباشر بالقوات الأميركية، في العراق انتهاءً بالمس المباشر بأمن إسرائيل الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يعني الدخول في مواجهةٍ شبه مفتوحةٍ بين أميركا وإيران بعد فترةٍ زمنيةٍ من المناوشات العسكرية وانسداد الأفق بين الطرفين.