التلاعب بالعملات سلاح الصراعات التجارية... ماذا تعرف عنه؟

بيروت
حيدر عبدالله الحسيني
13 اغسطس 2019
أصبح التلاعب بالعملات سلاحًا فعالًا تستخدمه الدول في الحروب الاقتصادية والتجارية وحتى السياسية، وهذا ما فعلته الصين منذ التسعينيات ودأبت على استخدامه الولايات المتحدة منذ الأربعينيات للتحكم بالتجارة والتبادلات العالمية.
عمليًا، يتسيّد الدولار أسواق العملات في التجارة العالمية وأسواق الصرف، لكن موقعه بات مهدّدًا بنتيجة الحروب الاقتصادية الأميركية ضد الحلفاء والخصوم على السواء، إلى أن دخل العالم في حرب عملات باتت تهدّد مكانة العملة الخضراء.

فماذا تعرف عن حرب العملات هذه؟

استشعرت الولايات المتحدة الخطر على دولارها من مصدرين أساسيّين: الأول تعاظم دور الاقتصاد الصيني على مستوى العالم، خصوصًا في العقود الثلاثة الأخيرة، حتى بات الثاني بعد نظيره الأميركي، بل تفوّق عليه قبل أعوام في بعض المقاييس الفرعية، والثاني عندما انبرى الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق فكرة عملته الموحّدة "اليورو" بموجب "معاهدة ماستريخت" لعام 1992، قبل أن تدخل إلى التداول نقدًا مطلع سنة 2002.

في مواجهة هذين الخطرين، بادرت واشنطن إلى العمل على جبهتين، من خلال:

أولًا، محاولة كبح غزو البضائع الصينية أسواقها باتهام بكين بأنها تتعمّد تخفيض قيمة عملتها من أجل تحفيز صادراتها، ما ينعكس بالتالي خللًا أكبر في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، وهو العجز الذي تذرّع به الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب لشنّ الحرب التجارية علنًا بفرضه في 8 مارس/ آذار 2018 رسومًا جمركية نسبتها 25% على واردات الصلب و10% على الألمنيوم، بحجّة أن صناعة الصلب والألمنيوم القوية "أمر حيوي لأمننا القومي".
ثانيًا، السعي لضرب الوحدة النقدية الأوروبية مستفيدةً من رفض المملكة المتحدة اعتماد اليورو عملة رسمية مكان الجنيه الإسترليني، بما أجهض تعزيز مكانة العملة الموحدة في المبادلات العالمية، وبرز دور إدارة ترامب أكبر لتفتيت عُرى الاتحاد الأوروبي عبر تشجيعه خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست) أكان ذلك باتفاق مُسبق بين الطرفين أو من دونه.



إلا أن حرب العملات بدأت تتخذ منحىً أكثر وضوحًا مع تفجير ترامب صاعق الحرب التجارية علنًا، مطلقًا "صواريخ" الرسوم الجمركية في كل اتجاه، حيث أصاب بها جيرانه وحلفاءه وخصومه، ومع تزايد استخدام واشنطن (وأوروبا أحياناً) سلاح العقوبات لأهداف سياسية، كما يحصل مع روسيا وتركيا وإيران وفنزويلا، وهو نموذج بائس اقتبسته دول الحصار الجائر في محاولتها عبثًا التلاعب بالريال القطري.

إليك أبرز محطات حرب العملات على مدى عام تقريبًا:

6 أغسطس/ آب 2019

صنفت الولايات المتحدة رسمياً الصين دولة تتلاعب بالعملة واتهمت بكين بإضعاف اليوان في وقت تتصاعد الحرب التجارية بين الدولتين. وجاءت الخطوة عقب سماح الصين، في وقت سابق من يوم الإثنين الماضي، لعملتها بالانخفاض إلى أدنى مستوياتها مقابل الدولار خلال عقد تقريباً، ما تسبب بإطلاق الرئيس دونالد ترامب وابلًا من التغريدات الغاضبة.

5 أغسطس

نزل اليوان الصيني أكثر من 1% إلى أقل مستوى في 11 عامًا، حيث تخطى بشكل مفاجئ حاجز 7 يوانات للدولار لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية، وهو مستوى يعتبره بعض المتعاملين في السوق مستوى دعم رئيسيًا. وهبطت قيمة اليوان إلى 7.1137 يوان للدولار في التعاملات الخارجية و7.0424 داخل البلاد.


1 أغسطس

على وقع الضغوط الأميركية الهائلة على إيران، اتخذت حكومة الرئيس حسن روحاني قرارًا بشطب 4 أصفار من عملتها، في تدبير لا يعدو كونه شكلياً معنوياً لا أثر له عملياً في القوّة الشرائية، وإنهاء رحلة عملتها الوطنية، الريال، تماماً، واستبدالها بالتومان، في تدبير أرجعه البنك المركزي إلى التضخم الفاحش، تراجع القدرة الشرائية، تزايد ملحوظ في كميات النقد المتداول، واستخدام أعداد كبيرة في المبادلات الصغيرة اليومية.

26 يوليو/ تموز 2019

أعلن المصرف المركزي الروسي أن حصة الدولار في الصادرات إلى الصين تراجعت للمرة الأولى إلى أقل من 50%، مسجلةً 45.7% في الربع الأول، مقابل 75.1% العام الماضي. لكن ذلك لم يكن لمصلحة الروبل واليوان، بل استفاد منه اليورو الذي سجلت حصته قفزة غير مسبوقة من 0.7% إلى 37.6% خلال عام واحد.

23 يوليو

حذّر مصرف "جيه.بي مورغان" الأميركي من أن الدولار قد يخسر مركزه بوصفه "عملة احتياط" عالمية، متسائلًا عما إذا كان المركز المفضّل للدولار عالميًا قد وصل إلى نقطة النهاية".



يُشار إلى أن أحدث أرقام صندوق النقد الدولي تشير إلى احتلال الدولار المركز الأول بين العملات العالمية من حيث نسبة الاحتياطات الأجنبية بالبنوك المركزية وبنسبة تفوق 62%، مقابل 3% لليوان الصيني. وتوقع المصرف أن يفقد الدولار موقعه كعملة مهيمنة على الاقتصاد العالمي على المدى المتوسط، وأن تتراجع قيمته في أسواق الصرف "لأسباب هيكلية".

17 يوليو

أعلن صندوق النقد الدولي أن الدولار مُقدّر بأعلى من قيمته الحقيقية بنسبة تراوح بين 6% و12%، استنادًا للعوامل الأساسية للاقتصاد في المدى القريب، في حين أن مستويات اليورو والين الياباني واليوان الصيني منسجمة مع العوامل الأساسية. وعزا السعر المرتفع للدولار إلى الطلب الخارجي القوي عليه. ويُستخدم الدولار النقدي كخزين في العديد من الدول الناشئة، وهو ما رفع سعر صرفه مقارنة بقيمته الحقيقية.

10 يوليو

صرّحت مصادر اقتصادية في موسكو بأن لدى حكومة روسيا توجهًا للتحّوّل من الدولار إلى اليورو في تحصيل أثمان صادراتها من النفط والغاز لدول الاتحاد الأوروبي.

22 مايو/ أيار 2019

سريان معلومات وتحاليل عن تحوّل الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين سريعًا نحو استخدام أسلحة العملات وأسواق الصرف وأدوات الدين الحكومية، وعلى رأسها أذون الخزانة والسندات الأميركية، علمًا أن بكين لم تستخدم سلاح السندات الأميركية التي تملك منها ما تتجاوز قيمته 1.17 تريليون دولار، وفقاً لبيانات مارس/ آذار 2019.



بالتالي، فإن خفض الفائدة الأميركية يعني أن الصين ستكون في مقدّمة المتضررين لامتلاكها أكبر احتياطي نقد أجنبي في العالم يناهز 3.095 تريليونات دولار، بحسب أرقام إبريل/ نيسان.

13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن التخلي عن العملة الأميركية في التجارة بات يأخذ منحىً منتظمًا في ظل الضبابية التي تحيط بسياسة الولايات المتحدة، بعدما أصبح الدولار أهم أسلحة ترامب في أي حظر مالي أميركي، وأن موسكو بدأت تتخذ خطوات فعلية لتقليص اعتمادها على الدولار في الحسابات التجارية.

الصحيفة أوضحت أن "3 هيئات حكومية تعمل بشكل حثيث على خطة بدائل للدولار، وهي وزارتا المالية والتنمية الاقتصادية والبنك المركزي، بعدما دفعت مخاوف الحظر الأميركي العديد من الشركات الروسية إلى استخدام العملة الروبل في حساباتها التجارية، فيما من المتوقّع أن تُعلن موسكو بنهاية العام الجاري استراتيجيتها لفك ارتباط البلاد بالدولار.

15 أغسطس/ آب 2018

لوّح رئيس لجنة الأسواق المالية في مجلس الدوما الروسي (مجلس النواب)، أناتولي أكساكوف، بأن استخدام الدولار للضغط على الدول سيؤدي إلى استحداث عملة عالمية بديلة، مشيرًا إلى أن الدولار اكتسب وضعه بصفته "عملة عالمية" عام 1944، عندما انخفضت قيمة عملات العديد من البلدان بسبب الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

المسؤول الروسي قال: "يناهز الناتج المحلي الإجمالي الأميركي 20 تريليون دولار، منها 5 تريليونات دولار فقط من الدخل الحقيقي، مقابل 15 تريليونًا مصدرها دول أُخرى تستخدم الدولار، وعلينا التفكير في ما سيحدث للولايات المتحدة إذا خسرت الـ15 تريليون دولار".

11 أغسطس

هدّد الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، بالتخلي عن التعامل بالدولار في المعاملات التجارية البينية، وذلك للمرة الأولى منذ بداية الأزمة مع واشنطن، وكشف عن الاستعداد لاستخدام العملات العملات الوطنية بدلًا من العملة الخضراء.
23 مارس/ آذار 2018

أمَر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بتغيير الوحدة النقدية لعملة البوليفار من خلال حذف 3 أصفار من قيمتها، وسط تضخم مفرط وأزمة اقتصادية حادة تكابدها البلاد نتيجة الحصار الأميركي، على أن يدخل الإجراء حيّز التنفيذ اعتباراً من 4 يونيو/ حزيران. أما الهدف المعلن فهو حماية فنزويلا من المضاربين في سوق العملات ومن حرب واشنطن التجارية عليها.



الحرب على الريال القطري

وقبل حروب ترامب المستجدّة العام الماضي على الساحة الدولية، سعت دول الحصار الجائر إلى الإضرار بالريال القطري منذ فرض الحصار في 5 يونيو/ حزيران 2017، قبل أن تُفشل الإجراءات القطرية تلك المحاولات. وتمحورت المواجهة القطرية على 4 جبهات، تمثلت أولًا بتوفير السيولة الكافية من الدولار لسد جميع احتياجات الأفراد والمستثمرين بشكل دائم، وثانيًا تنويع مصادر الدخل، وثالثًا زيادة إنتاج الغاز الذي يدرّ إيرادات بنحو 100 مليار دولار سنويًا، ورابعًا تشجيع الاستثمارات الخارجية.

ذات صلة

الصورة
الليرة اللبنانية (حسين بيضون/العربي الجديد)

اقتصاد

يتهافت اللبنانيون منذ أيام على شراء الدولار من الصرافين وذلك بعد قرار مصرف لبنان ضخّ العملة الأميركية في السوق بناءً على طلب مجلس الوزراء بعدما تجاوز سعر الصرف الأسبوع الماضي 6 آلاف ليرة.
الصورة
dollars991

اقتصاد

يتزايد الطلب العالمي على الدولار في أسواق العالم وسط الحاجة الماسة لتسديد الديون التي حان أجلها في العالم. ويقدر حجم النقص في العملة الأميركية بالاقتصادات الناشئة وأوروبا والصين بنحو 13 ترليون دولار.
الصورة
تراجع الدولار في مصر تحول إلى لغز (فرانس برس)

اقتصاد

كسر سعر صرف الدولار في البنوك المصرية حاجز الـ 16 جنيهاً لأول مرة منذ نحو سبعة أشهر، بينما يقترب في السوق السوداء من مستوى 17 جنيها، في وقت تشهد فيه الدولة تراجعاً حاداً في موارد النقد الأجنبي رغم الاقتراض الخارجي.
الصورة
عمال باكستانيون في راولبندي - باكستان - مجتمع

اقتصاد

تتقدم دول كثيرة بحذر في اتجاه رفع الحجر المنزلي عن مواطنيها، وسط مخاوف من حصول موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا الجديد، فيما ضرب الوباء بصورة خاصة الولايات المتحدة التي تواجه نسبة بطالة غير مسبوقة منذ ثلاثينيات القرن الماضي