التفسير الديني والمذهبي للصراعات السياسية

30 مارس 2015
الصورة

كاريكاتور لناجي العلي

تتعدد بؤر الصراع والتوتر في المنطقة العربية، ومعها تظهر تحليلات عديدة، تُعلي من شأن العامل المذهبي في تفسير النزاعات، متسقةً مع التحليلات "الاستشراقية" التي لا ترى في صراعات المنطقة إلا السنة والشيعة. ويعزز هذا الاتجاه وجود قوى سياسية طائفية، تُعلي من الحس الطائفي في خطابها السياسي. عندما نتجه إلى الصورة العالمية، نجد أن التفسير الديني/الحضاري للصراع منتشر بكثرة، فالحديث الذي يتلو أحداث عنفٍ مثل هجوم "11 سبتمبر" في الولايات المتحدة، أو أحداث العنف في فرنسا أخيراً، ينصب على أزمة الإسلام مع الغرب المسيحي (أو اليهو- مسيحي)، ويركز حديث السياسيين الغربيين على اختيار نسخهم المفضلة من الإسلام، وترك نسخٍ أخرى، والإصرار على إقحام البعد "الحضاري" في قراءة الحدث.

الحديث، هنا، عن عودة الدين إلى واجهة الصراعات السياسية، وهذا الأمر موضع نقاش مهم في الغرب، كما عندنا في الوطن العربي. في حوارٍ بين المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه والمفكر العربي جورج قرم، في مجلة "أفريك آزي" الشهرية الفرنسية، حصل نقاش حول أسباب عودة الهويات الدينية إلى واجهة الخطاب السياسي في العالم، وتمظهرات هذه العودة، حيث تعود الصين، كما يلاحظ دوبريه، إلى كونفوشيوس، وتتصالح روسيا مع أصولها الأرثوذوكسية، ويتقدم الشنتو في اليابان، بالإضافة إلى الدور القديم للدين في الخطاب السياسي الأميركي.

يرى دوبريه أن الديانات مفيدة في تصور الضد والخصم، الذي تحتاجه الجماعة، لتؤكد هويتها الخاصة. ويرى دوبريه أن عولمة الاقتصاد تولد شمولية سياسية وثقافية، وأنه على عكس توهم أن التحول إلى قرية صغيرة يلغي الفوارق وينهي الأيديولوجيات، فإن ما حصل هو العودة إلى الأصول وإبراز الاختلافات، لأن التوحيد التقني يفرز فراغ الانتماء، ويضيّع بوصلة المعنى والهوية. بحسب دوبريه، يدفع التجانس، الذي تبشر به العولمة، إلى عودة الهويات لتظهير الاختلافات، ورفض هذا التجانس، وتفيد الديانات في هذا أكثر، لأنها أبعد زمنياً من الأيديولوجيات، أي أنها أقدم وأكثر قدرة على إظهار التمايز، ومعالجة مسألة الاغتراب التي تسببها العولمة.

لا يجد جورج قرم، من جهته، مشكلة في الحديث عن آثار العولمة، وهو يحيل إلى إخفاقات القوميات العلمانية في أوروبا، وأزمة الشرعية التي لا تقتصر على ما يسمى "العالم الثالث"، بل إنها تشمل النظام الحالي في الغرب. لكن قرم يرى أن المسألة ليست بهذه التلقائية والعفوية، إذ إنه يشير إلى توظيف الدين في السياسة، باعتباره ظاهرة مفتعلة، عملت عليها القوى الاستعمارية ورعتها، من خلال الحرب على الشيوعية باستخدام الدين، وأيضاً الحرب التي قادتها القوى الغربية على القوميات التحررية في العالم الثالث، ومنها القومية العربية، واستخدام الحركات الأصولية لمواجهة الحركات اليسارية في العالم. وبالتالي، فإن قرم يرى أن نمو الظاهرة الدينية ليس تلقائياً، وهو، في جزء منه، مصنوع من القوى الاستعمارية، وتوسيع النيوليبرالية من تراجعاتها الهوياتية، لمصلحة إيجاد "سوق عالمي" للديانات والإثنيات، يتمثل في ظواهر تجارية وإعلامية، وحتى أكاديمية.

لا يمكن النظر إلى الظاهرة الدينية في السياسة بعيداً عن ملاحظة الذرائعية التي يتم التعامل من خلالها مع الدين، للتعبئة والتحشيد، خصوصاً من القوى الاستعمارية في تعاطيها مع البلدان التي تهيمن عليها، إذ إنها تحيي الانقسامات الإثنية والدينية، من أجل التحكم والسيطرة، والشواهد أكثر من أن تعد، في الوطن العربي، وفي دول العالم الثالث. لكن دوبريه، على الرغم من إقراره بهذا الأمر، يعتقد أنه لا يمكن نفي وجود بعد مذهبي، ممتد تاريخياً في الخلاف السني الشيعي، ضمن الصراع القائم في المنطقة العربية، وهذا الخلاف التاريخي يلقي بظلاله على صراعات الحاضر.

يختلف جورج قرم مع هذا الطرح، ويرى أنه لا يمكن وضع جميع الديانات في سلة واحدة، كما أنه لا يمكن الحديث عن الديانات، بوصفها كيانات تعيش بذاتها، فالناس هم الذين يشكلون هذه الديانات وطقوسها، بحسب المراحل التاريخية المختلفة. وبالإضافة إلى ذلك كله، لا يمكن الحديث عن كتل جامدة من أتباع الديانات، أو أن لكل أعضاء المجموعة الدينية الأفكار والسلوكيات نفسها. لذلك، لا يبدو الكلام عن السنة والشيعة مفتاحاً لتفسير الصراعات، أو طرحاً جدياً يمكن الاعتداد به.

يوضح هذا الحوار تأثير انفجار الهويات الدينية والمذهبية في السياسة، على الرؤى التحليلية للصراعات القائمة، ما يدفع كثيرين إلى الحديث عن امتداد تاريخي لصراع الهويات الدينية والمذهبية، يساهم في الصراعات الحالية. لكن مفهوم الطائفة المطروح اليوم، متولد من الحداثة، وبعض القوى في الصراع الجاري في المنطقة، تستخدم الرموز التاريخية للمذاهب الإسلامية، لإيجاد ذاكرة جماعية لأتباع المذاهب، ضمن صناعة كيان سياسي مذهبي، يستخدم الرموز التاريخية، في التحشيد والتعبئة، لتحقيق أغراض دنيوية، متعلقة بالسلطة والنفوذ والحصص داخل الدول، وهو ليس صراعاً لحسم قضايا خلافية في التاريخ الإسلامي، كما قد يتصور بعضهم.

لعل مهمة المثقف العربي، الرافض اختزال الصراع القائم في المنطقة، بالتفسيرات المذهبية، أن يضيء على العوامل الدنيوية للصراع، المتمثلة في تناقضات المشاريع السياسية في المنطقة، الباحثة عن مكاسب دنيوية، وإن تلبست لبوساً دينياً ومذهبياً.

تعليق: