التفاهة اليومية... ملامح من المحتوى المفروض على المشاهد

13 يوليو 2019
الصورة
"د. فيل" لا يخرج عن الإطار نفسه (NBC)
تدفق الصور والنصوص والكلمات بشكله الحالي تفّه مفهوم الوسيط الذي يحمل المعنى، وخصوصا أن هذا الوسيط ديمقراطي ومباح للجميع، وكأنه لا يوجد "قناة" جدية للمعرفة حالياً؛الأخبار تتساوى مع الأبراج، ومنصات الفيديو التي تبث الفيديوهات شبه الإباحيّة هي نفسها التي تبث المجازر، والأبحاث الأكاديمية تُنشر لمجرد النشر ونحت الكلمات.

ما سبق جعل المُتصفح أو المشاهد أو القارئ أشبه بصيّاد يطارد سمكة وهمية تعطيه الانطباع بأنها في كل مكان، وفي الوقت نفسه، تقفز عشرات الأسماك في وجهه. الكلام النظريّ السابق والمثال اللغوي عن الأسماك والصياد مرتبط بالتداخل بين إطارات/ وسائط تدفق الصور والمعلومات، والتشبيه ليس إلا شرحاً "جدياً" لواحد من الفيديوهات المنتشرة على الإنترنت، حيث يقفز السمك بوجه الصياد من دون أن يستطيع الإمساك به.

تستطيع الكتابة أحياناً تحرير السخيف من سخفه، لكنها مجرد أسلوب وإطار هشّ، يمكن ببساطة تفكيكه وكشف تفاهته، وهنا، يظهر تيار التفاهة وتحولاته، هو إطار يتدفق ضمنه يومياً صور وفيديوهات ونصوص تحاول فقط أن تظهر، كالسمكة التي تقفز بوجه الصياد، والأهمّ أن هذا التيار وراءه "عمل"، أي هناك جهد مبذول لإنتاج مكوناته، ومال يهدر، وأشخاص يدفعون أجر منازلهم من إنتاج محتوياته وترتيبها ضمن الإطار.
الأبراج: سحر المجهول المبتذل
تشكل الأبراج محط انتقاد الكثيرين، وهناك إجماع أنها ليست بعلم، لكن المثير للاهتمام أن النصوص المكتوبة والتفسيرات "الفلكية" للسلوك الإنساني، ما زالت تنشر وتتداول، ولها كتبها و"مختصوها". لا نعلم بدقة لماذا لم تمت هذه "الصناعة" أو تلغَ من الصحف، أو على الأقل تغير اسمها من "الأبراج" إلى "نصائح عموميّة صالحة للتبني في أي زمان ومكان".

تسخر الأبراج كوسيط "معرفي زائف" من العقلانيّة والتفكير النقديّ، ولا نقصد هنا نصوص النبوءات والتنجيم والتحليلات الأدبية والتاريخيّة المرتبطة بها، بل تلك التي تظهر أمامنا الآن بشكلها المبتذل، في الزمن الذي نختار فيه جنس الجنين في الرحم، تحضر الأبراج كبديل مبتذل للسحر الذي كان يحويه العالم، ذاك الذي قضت عليه التقانة والتكنولوجيا. فالأسطر القصيرة التي تصف مصير كل برج، وتجعل البعض يضحكون صباحاً حين قراءتها، ولو كانوا متهكمين، علامة أخيرة على موت الماورائي وسحره، واستبداله على الصعيد اليوميّ بكلمات مبتذلة تخاطب النوستالجيا الدفينة للتفسير الكليّ للعالم، ذاك التفسير الذي لا إرادة لنا فيه، كالأمل الذي يمتلكه الصياد بأنه سيجد سمكته الضائعة.

"افعلها بنفسك": إنسان الرأسمالية المهزوم
لا بدّ أن يمر أمام أي متصفح لوسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات "افعلها بنفسك" التي تعلمك كيف تصلح كرسيّاً، أو تصنعه أو تستخدم "النودلز" لإصلاح مقعده. هي كأطنان من النصائح والتقنيات والمناهج التي تجعل الفرد قادراً على كلّ شيء، فالموادّ الأولية متوافرة، وتعطي المشاهد الوهم بالقدرة على "البناء" في أي لحظة، وإصلاح أي عطل.

هذه النصائح المتدفقة التي ترى في كل شيء في العالم عنصراً صالحاً للتدوير أو ينفع لغرض آخر تتبنى المفهوم الجوهري في التفكير الرأسمالي، بل الرومانسي أيضاً، وحدك أنت قادر على صنع كل شيء، وإصلاح كل شيء، كأن تصنع طاولة من الإسمنت وورق التواليت. لكن المشكلة أن هذه المناهج البخسة تنتج ترّهات؛ أغراضاً قابلة للكسر، حلولاً سريعة ومؤقتة، نفس تلك الأشياء الاستهلاكية التي نشتريها. لكن الفرق، أنها تعطيك الوهم بإمكانية إصلاح العالم، وإعادة ترتيب أغراضه، في تجاهل للعطب العميق والضرر الذي نعيشه والسموم التي نأكلها، هي مساهمة في مراكمة الخراب وإعادة توزيعه، وكأن الصياد لا يدري أنه في مستنقع، متجاهلاً أن أيّ سمكة يصطادها، ستنفق في اللحظة التي يقرر فيها تخزينها.

سيرك الحمقى
لا ندري بدقة إن بدأ الأمر مع سلسلة "الأحمق-Jackass"، لكننا الآن أمام طيف واسع من الحمقى وراغبي الشهرة، النزعة الفردانيّة لا تغذي فقط الرغبة بالظهور، بل أيضاً اختبار الحدّ الذي يصل إليه الجمهور إثر مشاهدة التفاهات قبل أن يقول "كفى"، فهناك الحمقى الذين يبتدعون تحديات مختلفة، من أكل ملعقة من القرفة، حتى "اليهوديّ السمين" ومقالبه وحماقاته، ملايين الساعات من التفاهات والحوادث والتحديات التي تظهر أمام أعيننا ويتورط فيها أحياناً من نعرفهم، وكأن هناك نوعاً من "الأخوّة" قائمة على المشاركة بالسخف، وتكراره وإنتاجه؛ عقد استعراضي غير رسميّ ومنافسة لا متناهية أمام جمهور لا تراه، فقط تسمع ردّ فعله، وهو يحمّسك أكثر ويشجعك أكثر، أو يساهم في اختفائك، كمحاولة الصياد أن يلتقط سمكة طائرة وهو يمسك الصنارة في فمه.

نشوة السحق والتحطيم
هناك 2.2 مليون متابع لقناة "المكبس الهيدروليكي"، مئات الفيديوهات لأغراض يوميّة تسحق تحت الضغط الهائل ويتغير شكلها وتفقد خصائصها، أشبه بقطعة فنيّة مستقبلية تحتفي بالآلة وقدرتها على الفتك بخصائص الأشياء. استعراض لا متناه لقدرة الماكينة، يلبي الرغبة الدفينة في التدمير، لا بالمعنى الحرفيّ بل الجمالي، نشوة لا متناهية تخاطب الحسّ الطفولي للتخريب العبثي والسخرية من تماسك أشياء العام، وتصميمها المسبق.

أمامنا ملايين الفيديوهات التي تُحطم فيها الأشياء وتسحق صناعياً أو بأدوات يومية، هو تحدّ مطروح للعلن للقادر على دفع الاختبار للأقصى، سبيكة ذهب، عشرة هواتف أيفون، أشبه بالبورنوغرافيا ونشوتها الآنية، الاختلاف أنه لا سياسيات تمثيل أو علاقات قوة داخل هذه الفيديوهات، مجرد نهر مستمر من بقايا العالم المسحوقة، أشبه بالصياد السابق، وهو يحاول أن يرمي ديناميتاً في الماء لاصطياد السمك الطائر.

الأمر نفسه في المقاطع الطبية المقتطفة من مشاهير الأطباء كـ "د.فيل" و"د.أوز"، وأطباء آخرين يؤدون دور المخلص صاحب "إكسير" النجاة. يستخدمون سلطة الطبّ للترويج لمنتجات دوائية، وتشخيص كل الحالات، وكأنهم كتلة متماسكة من المرضى، وكأن المرض ذو شكل واحد لدى الجميع. علوم أشبه بعلب الكونسورة، أهم ما فيها أن لها فترة صلاحيّة، تفقد قيمتها وأثرها حين يصل العلم "الصحيح"، والمسؤولية هنا لا تقع على أحد سوى المريض/ المستهلك نفسه، أشبه بالصياد أمام بحيرة السمك الطائر، الذي يظن أن التهامه لخمس حبات بطاطا سيزيد من قدرته على التقاط الأسماك.

دلالات

تعليق: