التفاف حفتر على مؤتمر برلين: حظر طيران يهدد بتصعيد

25 نوفمبر 2019
الصورة
صعّدت قوات حفتر هجماتها أخيراً (محمود تركية/فرانس برس)
+ الخط -

تشهد ليبيا إجراءات عسكرية جديدة تنذر بتصعيد وتوتر عسكري أكبر، عكس المتوقع من وصول الملف الليبي إلى مراحل متقدّمة لإنهاء أزمته، عبر بدء الإعداد لقمة برلين وبروز عزم دولي لبلورة رؤية موحّدة تحلحل الخلافات بشأن ليبيا، ليأتي قرار اللواء المتقاعد خليفة حفتر بفرض حظر جوي على طرابلس، بمثابة إعادة الوضع إلى أجواء التصعيد المرجح. وأعلن المتحدث باسم قيادة مليشيات حفتر، أحمد المسماري، في مؤتمر صحافي، ليل السبت، "فرض منطقة حظر جوي على كافة مواقع العمليات في سماء طرابلس" باستثناء مطار معيتيقة شرقي المدينة، معترفاً للمرة الأولى بوجود عناصر مسلحة روسية في صفوف مليشيات حفتر، لكنه عزا وجودها إلى "صيانة قطع ومعدات عسكرية".

من جهتها، ردت وزارة داخلية حكومة الوفاق برفض قرار حفتر بشأن الحظر الجوي، متوعدة بعقاب قانوني سريع بشأن أصحاب القرار. وتحدثت الوزارة، في بيان أمس الأحد، عن تزايد حجم التواجد الروسي في ليبيا، وبعد أن أكدت في السابق وجود مقاتلين روس تابعين لشركة "فاغنر" الأمنية، كشفت في بيانها أمس، أن حفتر "سلّم عدداً من القواعد العسكرية، منها الجفرة والوطية، لمرتزقة فاغنر الروس، لاستخدامها في العمليات العسكرية التي تهدد حياة المدنيين".

ويبدو أن تلك الإجراءات الجديدة تتجاوز أوضاع الميدان الذي لا يزال يعيش حالة مراوحة عسكرية منذ ستة أشهر، من دون أن تتمكن أي من القوتين، أي قوة حفتر وقوة حكومة الوفاق، من إحراز أي تقدم مهم لحسم المعركة. وتؤكد تصريحات قادة الطرفين أن محاور القتال لا تزال تتمركز في المواقع نفسها، من طريق المطار والخلاطات غرباً، مروراً بمناطق أخرى من أهمها الساعدية وعين زاره وخلة الفرجان، وصولاً إلى قصر بن غشير وسوق الخميس ووادي الربيع شرقاً، وكلها مناطق تقع في القطاع الجنوبي من العاصمة طرابلس.

ولفت الخبير الليبي في الشأن العسكري، محيي الدين زكري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن القطاع الجنوبي لطرابلس يتوفر على أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة بالنسبة للطرفين، فهو القطاع الذي "يتوفر على أغلب المواقع العسكرية، لا سيما معسكر اليرموك الذي تتبادل القوتان السيطرة عليه منذ سبعة أشهر، بالإضافة إلى موقع المطار"، مشيراً إلى أن تلك المناطق تحظى بأهمية استراتيجية أيضاً، كونها تسيطر على الممرات والطرقات المؤدية إلى قلب العاصمة.

ودل زكري على أهمية المنطقة بكون الجهد القتالي يتركز كله في هذه المنطقة منذ أشهر من دون أن يتجه إلى فتح جبهات أخرى "مثلاً من العجيلات باتجاه الزاوية، أو في سرت باتجاه مصراتة، أو من ورشفانة غرب طرابلس باتجاه الأحياء الغربية للعاصمة". ونوّه إلى أن "لا أهمية لكل تلك المحاور من دون السيطرة على القطاع الجنوبي الذي تتواجد فيه المواقع العسكرية الهامة بالنسبة للمسيطر على العاصمة، فالسيطرة على الأحياء من دون المعسكرات والمواقع الاستراتيجية لا أهمية لها".


لكن الناشط عبد الحميد المنصوري لا يرى إجراءات حفتر الجديدة على علاقة بالميدان، بل يتجاوزها لتحمل رسائل ضمنية للمجتمع الدولي، تقترب من الإعلان الرسمي لوجود عسكري خارجي داعم لحفتر. ويتساءل، في حديث لـ"العربي الجديد"، عن قدرة حفتر على فرض حظر جوي على طرابلس أو غيره. ويقول "هل يجهل المجتمع الدولي عدم قدرة طيران حفتر المتهالك القديم على الوصول إلى طرابلس، فضلاً عن توجيه ضربات جوية فيها أصلاً؟"، مجيباً "بكل تأكيد لا يجهلون ويدركون أن قرار حفتر يعني وجود أطراف خارجية دخلت على الخط وهي من تنفذ قرار حفتر بحظر الطيران".

ويتوقع المنصوري سيناريوهين للقرار، إما أن حفتر لديه معلومات عن وصول دعم جوي لقوات الحكومة فاستبقه بهذا القرار، وإما أن "كواليس التشاور للاتفاق حول حل سياسي في برلين قد باءت بالفشل وقرر داعمو حفتر الرجوع بقوة للميدان والتهديد بالتصعيد بشكل غير مباشر من خلال قرار حفتر". ويستشهد المنصوري بكلامه حول إمكان التصعيد بما أعلنته وزارة داخلية الحكومة، في بيانها أمس، عن وجود روسي في قواعد ليبية، مضيفاً "تصعيد لهجة الحكومة رسالة للخارج، وتحديداً الولايات المتحدة، بأن حفتر سلّم روسيا قواعد مهمة كالوطية والجفرة".

وعن تداعيات إجراءات حفتر وبيان الوزارة، يشير الباحث مروان ذويب، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أن "التداعيات خطرة، والأخطر رسالة الحكومة الموجهة بشكل واضح لواشنطن، فهي تمثل استدعاء لها للتدخل لمواجهة خصمها الروسي. فواشنطن أبدت انزعاجاً من الوجود الروسي في ليبيا، على لسان عدد من مسؤوليها، بل كشفت وسائل إعلام أميركية عن عزم الكونغرس إعداد عقوبات ضد موسكو بسبب نشر قوات فاغنر الروسية في ليبيا لدعم حفتر".

ويعتبر ذويب أن دلالات تحركات واشنطن في الآونة الأخيرة في الملف الليبي تشير إلى توجس أميركي قد يتطور إلى حد التدخل المباشر على الأرض في ليبيا، موضحاً أن "اقتراب مسؤولي واشنطن من حكومة الوفاق، وقبلها تنسيق ضربات جوية على مواقع إرهابية في أراض يسيطر عليها حفتر، وأخيراً الدعوة الأميركية الصريحة الموجهة لحفتر إلى ضرورة وقف حربه على طرابلس، كل ذلك يشير إلى اقتراب أميركي يوازي الاقتراب الروسي إلى جانب حفتر".

ويضيف "لا أعتقد أن حكومة الوفاق تجازف بنشر معلومات عن تسليم حفتر لقواعد عسكرية مهمة لفاغنر الروسية من دون إثباتات، وبالتالي فهي تلعب على الوتر الحساس"، مؤكداً أن الدوافع لتحوّل الساحة الليبية إلى ساحة صراع دولي كثيرة. ويلفت إلى قضية اختفاء طائرة استطلاع تابعة للقوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سماء طرابلس، يوم الخميس الماضي. ويشير ذويب إلى أن "الملف الليبي لم يعد بيد ألمانيا، ولا يبدو أن مساعي السلام يمكنها أن تنجح حالياً، فالساحة الليبية الآن تعيش على صفيح ساخن، تشير كل مستجداته إلى أنه على وشك دخول دوامة جديدة من الصراع، يبدو أنه يتجه إلى شكل السيناريو السوري أو شبيه له".

وأعلنت "أفريكوم"، يوم الجمعة الماضي، عن فقدان طائرة من دون طيار تابعة لها فوق الأجواء الليبية، يوم الخميس الماضي، موضحة أن "الطائرة المتحكم فيها عن بعد، اختفت عن شاشات الرادار وهي فوق منطقة طرابلس يوم الخميس"، مشيرة إلى أن الطائرة كانت تقوم بمراقبة الوضع الأمني في ليبيا، والأنشطة الإرهابية. تبع ذلك إعلان أميركي عن فتح تحقيق بشأن اختفاء الطائرة، الذي أعقب إعلان تحطم طائرة إيطالية مسيّرة عن بعد، الخميس، بالقرب من طرابلس، كانت في مهمة لدعم عملية "البحر الآمن".

المساهمون