التفاؤل بلقاء روحاني وترامب يتبدد سريعاً... وضغوط المحافظين حاضرة

29 اغسطس 2019
الصورة
دعا روحاني للتكاتف في الظروف الراهنة (فرانس برس)
لم يدم التفاؤل الفرنسي بشأن "لقاء تاريخي محتمل" بين الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيره الأميركي دونالد ترامب خلال الأسابيع المقبلة، إلا ليوم واحد، ليعود التشاؤم إلى الأزمة المتصاعدة بين طهران وواشنطن، وذلك بعدما جدد روحاني، أمس الأول الثلاثاء، رفضه المطلق لإجراء أي لقاء وتفاوض مع نظيره الأميركي، رابطاً اللقاء مع ترامب بإلغاء الأخير "كل العقوبات" وإعلان "توبة" الولايات المتحدة عن سياساتها تجاه إيران وإبداء الاحترام لـ"حقوق الشعب الإيراني".

وجددت الرئاسة الإيرانية، أمس الأربعاء، موقف طهران الرافض للقاء المسؤولين الأميركيين. وقال رئيس مكتب الرئاسة الإيرانية، محمود واعظي، في تصريحات لوسائل الإعلام على هامش اجتماع الحكومة، إن "اللقاء يجب أن يكون لأجل هدف، وما لم نثق من أن هذا الهدف سيتحقق فإن الحديث عن اللقاء ليس صحيحاً". وربط التفاوض مع الإدارة الأميركية بعودة واشنطن إلى مجموعة "5+1" و"تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الاتفاق النووي" و"أن تتمكن الجمهورية الإسلامية من الاستفادة من كل امتيازات الاتفاق". وأشار إلى أن بلاده تسعى إلى رفع هذه العقوبات، عازياً جولات وزير الخارجية محمد جواد ظريف الأوروبية والآسيوية إلى ذلك.

وحول الحراك الفرنسي لإنقاذ الاتفاق النووي، اعتبر واعظي أن "تقدماً جيداً حصل في المباحثات مع فرنسا". وأضاف أن "فريقاً اقتصادياً إيرانياً سيزور فرنسا الأسبوع المقبل" في إطار المباحثات الثنائية حول الاتفاق النووي، وذلك على ما يبدو لمناقشة المقترحات الفرنسية. إلا أن واعظي أكد أنه "إذا لم تحقق المفاوضات نتيجة، سنُقدِم على تنفيذ المرحلة الثالثة من تقليص التعهدات النووية". وفي السياق، واصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف زياراته الخارجية بلقاء جمعه، أمس الأربعاء، برئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، في يوكوهاما، قرب طوكيو. وقال ظريف في مستهل الاجتماع، إن طهران لا تسعى لزيادة التوتر لكن ينبغي أن يتمتع كل بلد بحقوقه التي يكفلها له القانون الدولي.

وكان لروحاني دور كبير في رفع التوقعات بشأن احتمال لقائه ترامب، إذ أعلن، الإثنين، أنه لن يتوانى عن الذهاب إلى "أي اجتماع" واللقاء مع "أي شخص" إذا علم أن ذلك "يحل مشاكل الشعب الإيراني"، الأمر الذي أوحى بأن اختراقاً ما قد حصل في موقف إيران من التفاوض مع الإدارة الأميركية الراهنة، والذي اعتبره الرئيس الإيراني قبل خصومه السياسيين من المحافظين حتى وقت قريب "ضرباً من الجنون".

تصريحات روحاني وصلت سريعاً إلى أذني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء استضافته قمة مجموعة السبع، ليستحضرها خلال مؤتمره الصحافي مع نظيره الأميركي مساء الإثنين، معتبراً إياها دليلاً على تقدّم في الملف الإيراني، معرباً عن أمله بأن ينجح "في جمع الرئيس ترامب مع الرئيس روحاني خلال الأسابيع المقبلة".
من جهته، رفع ترامب أيضاً، بإعلان استعداده لمصافحة نظيره الإيراني، التوقّعات بأن اللقاء بين العدوين اللدودين لم يعد ممكناً فقط، بل بات أقرب من أي وقت مضى، ليذهب البعض بعيداً، معتبرين أن اللقاء أصبح تحصيل حاصل وأنه يأتي للتوقيع على اتفاق نتيجة للحراك الفرنسي. وزادت زيارتا ظريف إلى فرنسا، في غضون يومين، وخصوصاً زيارته الثانية المفاجئة إلى بياريتز، مكان انعقاد اجتماعات مجموع السبع، وإجراءه مباحثات "مكثفة" مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان، وماكرون، على هامش اجتماع قمة السبع، التوقعات بأن "طبخة" ما تعد وراء الكواليس، تستدعي لقاء روحاني وترامب في "القريب العاجل".

إلا أن الرئيس الإيراني عاد، الثلاثاء، لإعلان رفضه لأي لقاء محتمل يجمعه بترامب، متهماً الأخير بالسعي إلى التقاط صور تذكارية، إضافة إلى تصريحات أخرى لوزير الخارجية الإيراني، من بكين، قال فيها إنه أبلغ الفرنسيين بأنه "لا يمكن التصور بحصول لقاء بين رئيس جمهورية إيران وترامب"، بالتوازي مع هجمات حادة من المحافظين الإيرانيين على تصريحات روحاني، الإثنين.


هذه التطورات طرحت تساؤلاً قوياً حول سبب إدلاء روحاني بتصريحين متناقضين خلال يومين، بإعلانه الإثنين استعداده "المطلق" للقاء "أي شخص"، ثم تقييده الثلاثاء ذلك، مُخرجاً ترامب من دائرة أي لقاء.
ثمة آراء تعتبر أن التصريح الأول لروحاني كان محاولة لاستمزاج رأي خصومه السياسيين حول موضوع التفاوض مع واشنطن، خصوصاً بعدما دخلت الوساطة الفرنسية مرحلة جديدة، إذ أصبحت المقترحات الفرنسية، كما تقول أطراف حكومية في إيران، "جادة أكثر"، ولوحظ استعداد أميركي لمنح إعفاءات على حظر النفط الإيراني. لكن هناك من أنصار الحكومة من يرى أن تصريحات روحاني خلت من أي تناقض، مشيرين إلى أن الرئيس الإيراني ربط استعداده للقاء أي شخص بأن يحل هذا اللقاء مشاكل الشعب الإيراني، إلا أنه يعلم أنه لن يؤدي إلى هذه النتيجة، لذلك جدّد موقفه الرافض لأي تفاوض.

وهناك رأي ثالث في إيران، تبنّته أوساط محافظة، إذ عزا الكاتب الإيراني المحافظ محمد إيماني، تأكيد روحاني رفضه لأي لقاء مع ترامب إلى إحباط الرئيس الإيراني من مضمون المؤتمر الصحافي لماكرون وترامب، مضيفاً أن تصريحات الرئيسين خلال المؤتمر كانت مهينة لإيران، مشيراً إلى سبب آخر قد يكون وراء هذا التراجع أيضاً، هو بحسب قوله، "الأنباء التي وصلت إلى روحاني من باريس حول رفض ترامب منح إعفاءات نفطية لتبيع إيران يومياً 700 ألف برميل لبعض المشترين".

لكن في زحمة الآراء والتفسيرات بشأن تصريحات روحاني الأخيرة، لا يخفى أن تأكيده رفض لقاء ترامب، محاولة منه لامتصاص غضب المحافظين والمؤسسات السيادية الخاضعة لسيطرتهم، والذي أثارته تصريحاته الأخيرة وزيارة ظريف إلى بياريتز، وهو غضب يبدو أنه أقلق روحاني من أن يؤثر سلباً على دبلوماسية حكومته مع فرنسا بحثاً عن حلول لإنقاذ الاتفاق النووي.

وكانت أوساط محافظة قد شنّت، الأحد، هجوماً حاداً على ظريف بسبب زيارته الأخيرة لفرنسا، فاعتبرتها صحيفة "كيهان" المحافظة "في غير محلها وخاطئة... بعثت رسالة عجز وضعف". وهاجم الكاتب المحافظ المتشدد حسين شريعتمداري، مدير صحيفة "كيهان"، روحاني في مقال له، الثلاثاء، مخاطباً إياه بالقول "إن تفاوضت ستكون قد فرضت خسارة وكارثة أخرى على الشعب مثل كارثة الاتفاق النووي، ولن يكون لذلك أي نتيجة سوى هدية لترامب قبل الانتخابات الأميركية".

كما وجّه 83 نائباً في البرلمان الإيراني، الثلاثاء، رسالة احتجاج شديدة لروحاني، متهمين إياه بمخالفة سياسات المرشد الإيراني علي خامنئي، متسائلين "لماذا تسعى إلى اللقاء والتفاوض مع رجل كنت قد اعتبرته مجنوناً؟". كذلك، أبدى المرشد الإيراني اعتراضاً على تصريحات روحاني، من خلال نشر موقعه مجدداً تصريحات له ترفض أي تفاوض مع واشنطن، معتبراً أنه "سم قاتل". كما أن غلام علي غيب بور، المستشار الأعلى للقائد العام للحرس الثوري، هاجم بدوره ظريف، الإثنين، قائلاً "آمل ألا تكون بعض الزيارات إلى المؤتمرات الخارجية من منطلق اليأس والعجز وألا ترتجف أرجل بعض مسؤولينا".

هذه المواقف والتحركات دفعت روحاني لمحاولة امتصاص غضب المحافظين، من خلال القول خلال اجتماع لحكومته، أمس الأربعاء، إن الحكومة "ترحب بالنقد البنّاء"، إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن "البعض يتظاهرون بالنقد البنّاء لكن مضمون نقدهم ليس إلا بث الفرقة وإضعاف الحكومة"، داعياً إلى "التكاتف في الظروف الراهنة للعبور من المشاكل".
وبغض النظر عما تضمّنته تصريحات روحاني في الفترة الأخيرة من تناقضات ورسائل، إلا أن موضوع التفاوض مع الولايات المتحدة يبقى "قراراً سيادياً" ليس من صلاحيات روحاني، وإنما الكلمة الفصل في هذا الشأن تعود إلى المرشد الأعلى، علي خامنئي، الذي أعلن رسمياً في أغسطس/ آب 2018، "حظر التفاوض مع أميركا كما حظره الإمام الخميني"، قبل أن يجدد تأكيد ذلك في مايو/ أيار الماضي، بالقول إن "التفاوض مع أميركا سمّ مضاعف ولا يُقدم على ذلك أي عاقل".

كذلك، جدّد مسؤولون إيرانيون في الفترة الأخيرة، وخصوصاً قادة الحرس الثوري، رفضهم لأي تفاوض مع واشنطن. وأكد القائد العام للحرس الثوري حسين سلامي، أخيراً أن التفاوض "أصبح منطقاً منسياً للشعب الإيراني"، مشددا على أنه "خدعة وليس حلاً"، ويجلب المزيد من الضغوط الأميركية و"يعني الاستسلام وترك العزة". وفي السياق نفسه، دعا أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، الحكومة الإيرانية إلى الالتزام بـ"السياسات العامة". وقال رضائي في تغريدة على "تويتر"، أمس الأربعاء، إن "السياسة العامة لإيران تجاه أميركا واضحة وهي أن التفاوض مع الشيطان سمّ".