التغير المناخي ينافس عزل ترامب

26 سبتمبر 2019
الصورة
حذر من التفاؤل بعزل ترامب (إريك مكغريغور/Pacific Press/LightRocket)
+ الخط -
الأخبار التي بدأت على شكل أقاويل وتصريحات محلّلين على القنوات والمواقع الإلكترونيّة، أوائل سبتمبر/أيلول الحالي، تحوّلت إلى ترجيحات يوم الإثنين الماضي، لتُصبح أكيداً ومانشيتات رئيسيّة يوم أول من أمس الثلاثاء (بالتوقيت المحلي)، تزامناً مع إعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي، الديمقراطية نانسي بيلوسي، فتح تحقيق رسمي بهدف عزل الرئيس دونالد ترامب. اجتمعت وسائل الإعلام الأميركيّة على الحذر (رغم احتفائها ضمنياً بالتحقيق) في طريقة تعاطيها مع الملف، فكانت أغلب تقاريرها إخباريّة، فيما حذّر محللوها من التفاؤل الزائد الذي قد يؤدّي إلى خيبة كبيرة. وهو ما يُعيد إلى الأذهان التهليل الذي حظي به تحقيق المحقق الخاص روبرت مولر في تعامل ترامب مع روسيا (إبريل/نيسان الماضي)، والذي لم يُدن الرئيس لاحقاً، ما عزّز موقفه وفوقيّته. في تصريح للصحافيين، قالت بيلوسي، الثلاثاء، إنّ التحقيق يبحث في انتهاك ترامب للدستور عبر السعي للحصول على مساعدة دولة أجنبيّة (أوكرانيا) لإيذاء خصمه الديمقراطي جو بايدن، وهو المرشح الأوفر حظاً للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية في 2020 كما تُشير الاستطلاعات. وأضافت بيلوسي أنّ "تصرفات رئاسة ترامب كشفت عن الحقائق المشينة لخيانة الرئيس لقسمه وخيانته لأمننا القومي وخيانته لنزاهة انتخاباتنا"، متابعةً "لذلك، أعلن اليوم أنّ مجلس النواب يفتح تحقيقاً رسمياً لعزل" الرئيس. 


تفجّرت "فضيحة أوكرانيا" في أعقاب شكوى من عميل سرّي في الاستخبارات الأميركية بشأن محادثة هاتفية بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في 25 يوليو/تموز. واعترف ترامب، الأحد الماضي، بأنه بحث مع زيلينسكي قضية بايدن وابنه هانتر الذي يعمل في شركة تنقب عن الغاز في أوكرانيا. لكنه نفى محاولته الضغط على نظيره الأوكراني خلال الاتصال الهاتفي لإجراء تحقيق يتعلق بالفساد مع بايدن وابنه مقابل الحصول على مساعدات عسكرية أميركية.

من جانبه، ندّد ترامب خلال وجوده في نيويورك لحضور قمة الأمم المتحدة بالإجراءات، معتبراً إياها "حملة مطاردة نتنة". واعتبر ترامب، المرشّح لولاية ثانية في الانتخابات المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، أنّ "الجميع يقولون إنّ هذا الأمر سينعكس بشكل إيجابيّ عليّ في الانتخابات". لكنّه قال في تغريدة على تويتر "يوم بمثل هذه الأهميّة في الأمم المتحدة، كثير من العمل وكثير من النجاح، لكن الديمقراطيين قرّروا إفساد كلّ شيء (...) حملة مطاردة نتنة. أمر سيئ جداً لبلدنا". وقال بالخط العريض "تحرّش بالرئاسة".



يوم أمس، تعامل الإعلام الأميركي مع كلّ هذه المعطيات إخبارياً أولاً، فشرح للجمهور كيفيّة حصول مثل هذه التحقيقات، وفتحها 3 مرات تاريخياً، وصعوبة وتعقيد العمليّة التي تهدف إلى عزل الرئيس، بالإضافة إلى التصريحات السياسية المرتبطة بالقضيّة. ثمّ تحوّل تدريجيّاً إلى التحليل والآراء والسخرية، يوم الأربعاء، كي تُعبّر كلّ وسيلة عن رأيها حول القضيّة.
تصدّر موقع "سي إن إن"، الشبكة الأميركيّة المعارِضة لترامب، والتي هاجمها مراراً بتهمة "نشر الأخبار الكاذبة" لأنّها تنتقده (إضافةً إلى مؤسسات أخرى)، عنوان "ترامب في حالة دفاع بشأن الإقالة"، بالإضافة إلى عدّة عناوين أخرى مرتبطة بالملف، بينها "الرئيس ينطلق لتقويض مقامرة بيلوسي بالعزل" و"12 كلمة غيرت واشنطن بشكل جذري"، إضافةً إلى تقارير تشرح العمليّة.

أما صحيفة "نيويورك تايمز"، وهي أيضاً من وسائل الإعلام المعارضة التي انتقدها ترامب مراراً، فقد عنونت "تحقيق العزل هو مواجهة عالية المخاطر لكلا الجانبين"، مبرزةً تحليلاً عن سبب إطلاق المساءلة في هذا التوقيت بالذات، بالإضافة إلى التقارير الخبرية عن التحقيق والرئيس الأوكراني والاتفاق الذي يُحاول البيت الأبيض أن يعقده كي يتكلّم العميل السري أمام الكونغرس.

"مجلس النواب يُطلق تحقيقاً لعزل ترامب، ويخلق مواجهةً سياسية"، كان هذا العنوان الرئيسي لصحيفة "واشنطن بوست"، فيما كثّفت هي الأخرى التقارير الإخباريّة والتحليلات حول الموضوع. وبينما عرضت الصحيفة وجهات نظر متباينة، منها تؤيد ومنها ترفض التحقيق، أشارت إلى أنّ "ترامب والديمقراطيين يعبرون خطاً كبيراً بالتحقيق، لا أحد يعرف نتائجه وإلى ماذا سيؤدي". كما قالت إنّ حملة إعادة انتخاب ترامب رفعت من التمويل بعد الإعلان عن التحقيق. وأشارت الصحيفة إلى دورها، ودور "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" في إطلاق هذا التحقيق، إثر نشرها مخاوف العميل السرّي وكشفها قضيّة المحادثة الهاتفيّة.

على النقيض من كل ما سبق، كانت قناة "فوكس نيوز" تترأس معركة الدفاع عن ترامب، فتستخدم تعابيره حول "مطاردة الساحرات" وغيرها، عبر محلّليها وأبرز نجومها. ونشرت القناة "معلوماتٍ خاصة" عن أنّ مسرّب المعلومات حول المحادثة "منحاز سياسياً" لصالح أحد الخصوم السياسيين المرشّح للرئاسة الأميركيّة. وحاولت القناة، كما غيرها من وسائل الإعلام المؤيّدة لترامب أو الشخصيات المناصرة له، استخدام تصريحات بيلوسي ضدّها، وشنّ حملةٍ على بايدن حول عمل نجله في أوكرانيا. وكان من أشرس هذه المظاهر خروج محامي ترامب، رودي غيليانو، عن طوره خلال إطلالة على القناة، ليشتم ضيفاً آخر ويصفه بـ"الأخرق" و"الغبي"، مطالباً إياه بـ"أن يخرس".




ولعلّ الإجماع في وسائل الإعلام الأميركيّة، على اختلاف توجّهاتها، كان على عدم إمكانيّة التكهّن بعواقب هكذا إجراء. ففيما قد يكون فوزاً كبيراً للديمقراطيين، في حال نجاحهم فيه، قد يكون أيضاً فوزاً كبيراً لترامب في حال الإخفاق، ما يعني أنّها قد تُصبح دعايةً انتخابيّة مجانيّة للرئيس، توقعهم في فخّ بقاء ترامب لأربع سنواتٍ أخرى بدءاً من 2020، تُصبح فيها تصريحاته عن "استهدافه" و"مطاردة الساحرات" واقعاً. وحاولت المنصّات الأميركيّة تفادي إعادة تكرار الأخطاء التي وقعت فيها في تغطيتها لتحقيق مولر، خصوصاً أنّ هذا النوع من التحقيقات مُعقّد ولا يُفضي إلى نتيجة أكيدة، بل قد ينقلب رأساً على عقب.

لكنّ الملف الأميركيّ، على أهميّته وحساسيته، لم يكن الحدث الأهمّ بالنسبة لجميع وسائل الإعلام العالميّة، نسبةً لتزاحم الأحداث السياسيّة وتزامنها حول العالم. إذ كان التغير المناخي، تحديداً تزامناً مع قمة الأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك، صاحب الاهتمام الأكبر. وتصدّر أغلب المواقع الإلكترونيّة للوسائل الإعلاميّة حول العالم، تقرير الأمم المتحدة الذي خلُص إلى أنّ ظاهرة تغيّر المناخ ستجعل محيطات العالم أكثر دفئاً ومنسوبها أكثر ارتفاعاً وفاقدة للأوكسجين، وأكثر حمضية بوتيرة أسرع، بينما سيذوب الجليد والثلوج بشكل أكثر، متوقعاً انخفاض عدد الأسماك وهبوب أعاصير عاتية. وأبرز الإعلام الفرنسي والبريطاني هذا التقرير أيضاً. كما ركّزت الصحف والقنوات البريطانيّة على أزمة رئيس الوزراء، بوريس جونسون، خصوصاً بعد اعتبار المحكمة العليا إغلاق البرلمان غير قانوني، والمعارضة الشديدة التي يلقاها حول إدارته لملف مغادرة الاتحاد الأوروبي "بريكست"، بالإضافة إلى عودة مجلس العموم للانعقاد يوم أمس الأربعاء. وكذلك فعلت نظيراتها الألمانيّة، وهو الملف الذي حاز اهتمام الإعلام الأميركي والفرنسي أيضاً. هذا فيما كانت التظاهرات والحراك الإلكتروني - السياسي ضدّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أبرز الملفات التي شغلت الإعلام أيضاً، خصوصاً مع تصعيد نسبة الاعتقالات لرؤساء الأحزاب والمحامين والمواطنين، في محاولةٍ لكبح جموح انتفاضة القصور.


بعيداً عن توجّهات الإعلام، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تحتفل بانطلاق تحقيقات مجلس النواب الأميركي الرسمي الهادفة إلى محاولة عزل الرئيس. فما إن أعلنت الخبر رئيسته، نانسي بيلوسي، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالقضيّة، وسط سخط مؤيدي ترامب واحتفالات معارضيه في أميركا والعالم. وتصدّر وسم #ImpeachTheMF الوسوم الأكثر تداولاً حول عزل ترامب، وكان الأكثر تداولاً في الولايات المتحدة الأميركية وحول العالم.
وانتشرت عدة وسوم تدعو إلى عزل الرئيس، بينها #Impeach و#impeachment و#ImpeachDonaldTrumpNOW و#WeThePeople و#TraitorTrump و#NoOneIsAboveTheLaw. هذا بالإضافة إلى وسوم أخرى، بينها #ImpeachTrump و#ImpeachTrumpNow و#ImpeachmentNow و#ImpeachmentParty.


ردود الفعل الأوليّة جاءت عبر تغريدات مليئة بالميمز والرسوم والكلمات الساخرة. وأعرب
البعض عن مفاجأتهم بحصول تحقيق العزل، فيما أعرب آخرون عن فرحهم عبر مقاطع تصوّر أشخاصاً يرقصون. وفيما أعرب البعض عن تخوّفهم من طريقة حصول التحقيق والوقت الذي سيستغرقه حتى الوصول إلى العزل، أو تحقّق الغاية من التحقيق، أشار آخرون إلى تصريحات ترامب عن كون إخفاق هذا التحقيق إيجابياً له، معربين عن تخوّفهم من ذلك. ونالت تغريدة ترامب التي اعتبر فيها التحقيق "تحرشاً بالرئاسة" نصيبها من السخرية، فأشار المغرّدون إلى "تحرّش" ترامب سابقاً بباراك أوباما إثر مطالبته بعزله، وحديثه عن كونه "غير أميركي بما فيه الكفاية" وإصراره على رواية ولادة أوباما في بلدٍ آخر. وأشار المغرّدون إلى تدخّل "كارما" ضدّ ترامب في حال عزله من قبل امرأة، في إشارةٍ إلى إهاناته المتكرّرة للنساء. ودعا بعض الإعلاميين والمحلّلين إلى الحذر من السعادة العارمة التي قد تنقلب "خصوصاً أننا نتعامل مع كذابين محترفين"، قاصدين فريق ترامب. وكانت بيلوسي صاحبة النصيب الأكبر من التغريدات والصور التي وافقت على بدء التحقيق.

في المقابل، شنّ مؤيدو ترامب حملةً ضدّ بيلوسي وجو بايدن والديمقراطيين، معتبرين أنّ التحقيق فصل جديد من "مطاردة الساحرات"، فيما رأى آخرون أنّ إجراءات العزل تعني أنّ الديمقراطيين متيقنون من أنّهم لن يفوزوا في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة عبر صناديق الاقتراع.

المساهمون