التغريبة الفلسطينية

12 مايو 2016
الصورة
ألوف رحلوا وقد تزنّروا بمفاتيح بيوتهم العائدين إليها (Getty)
+ الخط -

لا تكفي قصائد محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وعزالدين المناصرة ومريد البرغوثي وغيرهم لتوصيف حال اللاجئ الفلسطيني، خصوصاً هذه الأيام مع تراجع حلم العودة إلى حلم بالهجرة إلى بلاد الله الواسعة. بالتأكيد، هذا اللاجئ هو الأقدم في تاريخ "التغريبة" العربية . قبله كانت هجرات أرمنية وكردية وربما غيرها، لكنها ظلت محدودة العدد واستوعبتها الديار العربية على جاري عادتها طوال تاريخها. وباتت تباعاً، جزءاً مكوّناً من حياة الإسكندرية وحلب وحمص وبيروت وزحلة وغيرهم.

اللجوء على أي حال، لم يكن حدثاً طارئاً، بل له تاريخ ووثائق ومؤتمرات وقرارات. وقبل ذلك كله، ضحايا. بعض هؤلاء لوَّن تراب الأرض بلون كلسي أبيض، فيما ينتظر أحياء غودو الذي لا يأتي، ولا أحد يبشّر بقرب ظهوره المتوقع.

من يطّلع على منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، خصوصاً تلك التي كتبها المؤرّخ الفلسطيني وليد الخالدي، وغيره طبعاً، ونموذجها كتابان هما "قبل الشتات" و"كي لا ننسى"، يجد قبل النكبة مجتمعاً فلسطينياً نابضاً مثله مثل أيّ مجتمع بشري آخر. أناس من نساء ورجال وشباب وصبايا وصغار لهم عائلات وبيوت ومدارس وأراض يفلحونها ومواش يرعونها وبساتين يقطفون ثمارها، وعمّال مهن وأصحاب حرف في المدن منهم المصور والمعلم والصائغ والفنان والتاجر والشرطي والعامل المياوم وغيرهم، يعيشون حياتهم العادية. يخرجون من بيوتهم صباحاً ويعودون إليها في العشية. حياة عادية هادئة إلى درجة أنّ كثيرين منهم لم يلتفتوا إلى تلك البواخر التي كانت تلقي مراسيها في ميناء حيفا أو يافا وتُنزل المهاجرين الآتين من الأتون الأوروبي حيث المحارق والتمييز والتعصّب سيد الموقف والعلاقات. كانوا مطمئنين إلى أنّ جذورهم عميقة في الأرض إلى حدّ أنّها لن تتزعزع مع غيوم الاحتمالات المقبلة.

لا داعي للعودة إلى الوقائع والمجريات السياسية والحربية والتآمر والصمود المقاومة والعدوان الوعود والخداع، وغيرها مما يمكن الاطلاع عليه في أيّ كتاب من كتب تاريخ القضية الفلسطينية. يبقى القول إنّ حرب النكبة انتهت وقد سقط عشرات ألوف الشهداء، وعشر مدن وأكثر من 418 قرية وبلدة مدمّرة على نحو كليّ أو جزئيّ تقريباً. البعض يتحدث عن أرقام أكبر، وعن قوافل من اللاجئين. يقصد القريب من الحدود اللبنانية، لبنان.. والقريب من الحدود السورية، سورية.. والملاصق للضفة الشرقية، الأردن.. والبعض مصر. يُضاف إليهم، أولئك الذين ظلوا في فلسطين. بعضهم لجأ إلى قرى قريبة لم يطاولها الجرف، وبعضهم أقام في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزّة. الحصيلة هي 762 ألفاً غادروا فلسطين الانتداب إلى الأقطار العربية. ألوف رحلوا وقد تزنّروا بمفاتيح بيوتهم العائدين إليها، بعد تطهير فلسطين من العصابات الصهيونية كما قيل لهم. لكنّ التغريبة تتابعت فصولاً في حروب الأعوام 1956 و1967 وبعدها وبعدها. وتنقل قوافل جديدة أقدامها بتثاقل على الطريق القديم إياه، الذي عبره من سبق إلى جحيم المحنة المستمرة.

اليوم، نحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني في كل من الضفة الغربيّة وقطاع غزّة والأردن وسورية ولبنان وغيرها. هؤلاء هم اللاجئون الأصليون الذين لم تجفّ أحلامهم ولا دماؤهم بعد، على الرغم من مرور 68 عاماً على الطلائع الأولى التي هُجّرت من أرضها وديارها ، بينما ما زالت الجرافة الصهيونية تعمل على قلب الأرض، تارة بحثاً عن آثار حجارة قديمة وطوراً لبناء مستوطنات جديدة.

*أستاذ جامعي


المساهمون