التعزيزات الفرنسية لمنطقة الساحل: إجراء استباقي تحسباً للانسحاب الأميركي

التعزيزات الفرنسية لمنطقة الساحل: إجراء استباقي تحسباً للانسحاب الأميركي

02 فبراير 2020
الصورة
فرنسا تشتكي "تقصير الشركاء" (إيريك فيفبريك/Getty)
+ الخط -

بدأت فرنسا، على ما يبدو، في اتخاذ إجراءات احترازية في منطقة الساحل الأفريقي في ظل وجود احتمال كبير لانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، وذلك بإعلان وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، في بيان اليوم الأحد، أن بلادها ستنشر 600 جندي إضافي، سيتمركز الجزء الأكبر منهم في المنطقة التي تطلق عليها تسمية "الحدود الثلاثة" بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وتأتي هذه التعزيزات على خلفية زيادة نشاط "الجماعات المتطرفة" في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، حيث تتعرض الجيوش المحلية إلى هجمات منتظمة، كان آخرها تكبّد جيش النيجر أفدح خسائره حتى الآن، إثر هجوم استهدف معسكر شينيغودار بالقرب من مالي، وأسفر عن مقتل 89 جندياً، فضلاً عن الخسائر التي تمنى بها القوات الفرنسية خلال العمليات القتالية، وآخرها مقتل 13 جندياً، في نوفمبر/تشرين الثاني، في حادث تصادم طائرتي هليكوبتر.

وتنقل صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية عن محللين ومسؤولين كبار أن الأشهر المقبلة ستكون في غاية الأهمية لقلب المشهد في منطقة الساحل الأفريقي، حيث ستسعى فرنسا للسيطرة على تزايد هجمات الجماعات المتطرفة ومكافحتها، كما أنهم يعتبرون القرار الفرنسي بزيادة عديد القوات محاولة لـ"استدراك الموقف"، مع احتمال انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة في أي لحظة، معتبرين أن "إهمال واشنطن الكبير للمنطقة الصحراوية الشاسعة أحد أسباب زيادة نشاط الجماعات".

وتنشر الولايات المتحدة حوالي 6 آلاف جندي في أفريقيا، يمثل سحبهم قلقاً بالغاً في أوروبا وفرنسا خصوصاً، إذ إن باريس تعتمد في عملياتها العسكرية، في منطقة الساحل الأفريقي، على التسهيلات اللوجستية الأميركية، والتي تشمل بشكل خاص المعلومات الاستخباراتية حول الجماعات المتطرفة، بالإضافة إلى أن وجود القوات الأميركية يحافظ على تفاهمات معينة في ملفات الإرهاب والهجرة غير الشرعية، التي تعتبر أكبر مخاوف أوروبا عموما، وفرنسا خصوصاً، الوجهة الأولى للمهاجرين الأفارقة.

ورغم تأكيدات وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر، في وقات سابق، عدم وجود قرار بالانسحاب من أفريقيا حتى الآن، إلا أن وزيرة الجيوش الفرنسية سافرت، الشهر الماضي، إلى الولايات المتحدة، ونقلت مخاوف باريس من سحب القوات الأميركية إلى واشنطن.

وقالت بارلي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع إسبر، إن "دعم الولايات المتحدة أمر بالغ الأهمية لعملياتنا، وسيؤدي خفضه إلى الحد بشكل كبير من فعاليتنا في عملياتنا ضد الإرهابيين". 

وأضافت أن "أصدقاءنا في منطقة الساحل بحاجة ماسة لمساعدتنا"، مضيفة: "لقد أعربت عن أملي بأن تواصل الولايات المتحدة وفرنسا دعمهم".

وكان إسبر قد قال إن بلاده "لن تسحب القوات بالكامل من أفريقيا.. أعلم أن هذا يشكل مصدر قلق للكثيرين.. لكن أقول مجدداً إننا لم نتخذ قرارات بعد".

أمر سخيف

وقبل نحو أسبوع، كُشف عن جدال خاضه رئيس الأركان الفرنسي الجنرال  فرنسوا لوكوينتير، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية، حيث اعتبر أن عديد القوات الفرنسية الموجودة على الأرض في المنطقة الأفريقية "أمر يثير السخرية".

وفق ما نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن الجنرال ليكوينتير حذر من أن قوات عملية "برخان"، البالغ عددها 4500 جندي، لن تكون كافية. وقال: "في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع (..) هذا أمر مثير للسخرية!".

وشدد رئيس الأركان الفرنسي على أنه "إذا ما أزلنا عناصر الدعم اللوجستي والحماية.. أجد نفسي بحد أقصى مع 2000 جندي.. ماذا يمكن أن يفعلوا؟". 

وشرح الجنرال ليكوينتير أن أساليب المقاتلين المتطرفين "غالباً ما تحدث عن طريق ضربات من قبل عشرات المهاجمين يستقلون دراجات نارية، قادرة على الاختفاء بوقت سريع"، قبل أن يضيف "لا أعتقد أننا سنكون قادرين على إعلان النصر في نهاية العام".

تقصير الشركاء الأوروبيين

وأواخر عام 2019، أعربت برلين عن نيتها الاضطلاع بالمزيد من المسؤوليات العسكرية، بعد مطالبات فرنسية عديدة، لكن ذلك الأمر أحدث انقساماً حاداً في الائتلاف الحكومي الذي تقوده المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

الانقسام الألماني يعقد المشهد أكثر أمام الاستراتيجية العسكرية الفرنسية لمنطقة الساحل الأفريقي، حتى إن وزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب-كارنباور، رئيسة حزب ميركل المسيحي الديمقراطي المحافظ، أعلنت تأييدها لتعزيز التفويض العسكري للجيش الألماني في جنوب منطقة الساحل. 

واعتبرت كرامب-كارنباور أن فرنسا "منخرطة على الأرض بتفويض أكثر حزما" مقارنة بالجيش الألماني المتمركز حاليا في مالي، والذي يقتصر تفويضه على مهام تدريب ومراقبة، وفق ما نقل عنها "دويتشيه فيليه" في ديسمبر/كانون الأول 2019.

الدعم الذي تنتظره باريس من ألمانيا يواجه معارضة شرسة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، شريك ميركل في الائتلاف الحكومي، إذ قالت رئيسة الحزب ساسكيا إيسكن: "لن نوافق على أي هجوم عسكري أعد له بشكل سيئ"، مؤكدة أن وزارة الدفاع "لا تعيد تحديد" السياسة الخارجية الألمانية، في إشارة لتصريحات كرامب- كارنباور.

هذا الأمر كان حاضراً في كلام رئيس الأركان الفرنسي، حيث أعرب عن أسفه لقصور بعثة التدريب الأوروبية، التي تم إطلاقها في فبراير/ شباط 2013، وبعديد 620 جندياً فقط من 28 دولة أوروبية.

"الأوروبيون يسيرون ببطء"، وفق ما قال الجنرال ليكوينتير في جداله تحت قبة الجمعية الوطنية، مضيفا: "لقد مرت الآن سبعة أشهر منذ أن كتبت إلى الاتحاد الأوروبي بضرورة نشر قوات أكثر، وأن يقدم دعماً أكثر شمولاً في إعادة بناء الجيوش المحلية وليس فقط تدريبها.. إنه وقت طويل يجب أن نتصرف بسرعة كبيرة".

يشار إلى أن هذه التعزيزات سترفع عديد القوات الفرنسية، التي تعمل في المنطقة في إطار عملية "برخان" المستمرة منذ عام 2014، من 4500 إلى 5100 جندي.

وفقاً لبارلي، "ستشارك التعزيزات الجديدة بشكل مباشر داخل قوات مجموعة دول الساحل الخمس (بوركينا فاسو، تشاد، مالي، موريتانيا، النيجر) لمواكبتها في القتال" ضد التنظيمات المتطرفة.

وأضافت بارلي: "هذه المرحلة الكبرى من التزامنا في الساحل يفترض أن تشكل منعطفا في تعبئة شركائنا الأوروبيين، وتعزيز قوات مجموعة الخمس على حد سواء".

وإضافة إلى الجنود الفرنسيين، كشفت بارلي أن تشاد ستنشر قريباً كتيبة إضافية ضمن القوة المشتركة لدول الساحل الخمس. وقالت "إن التعزيز الذي أعلنه رئيس الجمهورية يجب أن يسمح لنا بزيادة الضغط على "داعش" في الصحراء الكبرى (..)، لن نترك أي مساحة لأولئك الذين يرغبون في زعزعة الاستقرار في الساحل الأفريقي". 

وفي يناير/كانون الثاني، عقدت في جنوب فرنسا قمة لدول الساحل الأفريقي الخمس، أعلن خلالها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزم باريس إرسال 220 جندياً إضافياً إلى الساحل لتعزيز قوة "برخان". 

كما أعربت الدول الخمس، في ختام قمتها، عن أملها في مواصلة الولايات المتحدة دعمها "بالغ الأهمية" للعمليات العسكرية هناك.

المساهمون