التظاهرات العراقية ومفتاح التغيير للكاظمي

04 يونيو 2020
الصورة
لم تعد أخبار التظاهرات العراقية تتصدر نشرات الأخبار في الفضائيات العربية، بل لم تعد تذكر فيها، بسبب تراجع جذوة هذه التظاهرات، وتحول الاهتمام الداخلي في العراق أولاً، ثم في بقية العالم المهتم بالشأن العراقي، إلى قضيتين رئيسيتين؛ أولاهما ترتبط بشكل مباشر بتطور انتشار فيروس كورونا بين العراقيين بشكل سريع ومخيف، ما استدعى فرض حظر متكرر للتجول في العاصمة وأغلب المحافظات. ثانيتهما، وهي الأهم، تتعلق بمراقبة أداء رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، ومحاولة القوى المحرّكة للتظاهرات مع كثير من شرائح المجتمع العراقي، متابعة أقوال الكاظمي ووعوده بالمتحقق فعلاً من إنجازات تفضي، بحسب قناعات العراقيين، إما إلى التوقف عن الحركات الاحتجاجية ومساندتها، أو إلى خروج الجموع إلى الشوارع والميادين، للضغط الأعنف ربما، من أجل إكمال ما بدأته حراكات الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وما سقط من أجله مئات الضحايا وآلاف الجرحى.
أعطت تجارب العالم، وفي هذا التوقيت بالذات، وستعطي مزيداً من العزم، لمواصلة الضغط على الحكومة العراقية، لتقديم سلة الإصلاحات الجذرية التي طالب بها المتظاهرون، وما زالوا؛ فالاحتجاجات التي بدأت في مدينة مينيابوليس الأميركية على خلفية مقتل المواطن جورج فلويد على يد أحد عناصر الشرطة هناك، ثم انتشارها، لتشمل معظم الولايات الأميركية، وخصوصاً في العاصمة واشنطن، تطورت إلى تظاهرات عمت دولاً كثيرة، على الرغم مما رافق هذه التظاهرات في الولايات المتحدة من أعمال خارجة عن القانون، من سرقات وتخريب وحرق ممتلكات خاصة وعامة.
لا تشبه التجربة العراقية في التظاهر السلمي، في شكلها الخارجي، تظاهرات أميركا والعالم لمقتل 
فلويد، لكنها في الأساس والجوهر تستمد عزمها من حجم المظالم والتمييز الطائفي والعرقي، وما يعنيه هذا التمييز من حرمان من كثير من حقوق المواطنة، كما أنها أثبتت أن الشعوب تبقى حية، مهما تأخرت في سباتها أو صبرها على المظالم، ولا فرق في هذا بين بلد "متخلف"، مثل العراق بوضعه الحالي، ودولةٍ تقدّم نفسها بلد الحريات والديمقراطية.
العراق اليوم، بوضعه المالي والاقتصادي الخطير جداً، ثم بانتشار فيروس كورونا بين أوساط الفقراء في مدن المحافظات وأحيائها، ثم باستمرار وجود المليشيات المسلحة خارج إطار الدولة والقوات العراقية المسلحة، وكذلك استمرار العملية السياسية المحاصصية بشكلها وأدائها الرتيب والضاغط باتجاه إبقاء الأوضاع في العراق على ما هي عليه، بما لا يسمح بكثير من فضاءات العمل التنفيذي المباشر للحكومة التنفيذية، كل هذه، مع استمرار تدهور الحالة المعاشية للشعب العراقي، وزيادة نسب الجوعى والعاطلين عن العمل، وفقدان الأمل لدى سكان المخيمات من المهجّرين في العودة إلى ديارهم التي ما زالت أكواماً من التراب، كل تلك الأمور وسواها الكثير تعني بالضرورة أن هناك في الأفق المنظور عودة، وربما توصف بالعودة القوية للتظاهرات في العراق، حيث لم يبق، بحسب العراقيين، شيء يخسروه.
وكانت اللجنة المنظمة لتظاهرات العراق قد أصدرت بياناً، منتصف الشهر الماضي (مايو/ أيار) الماضي، حددت فيه 30 يونيو/ حزيران الحالي يوماً لعودة التظاهرات، ودعت العراقيين إلى الخروج في تظاهرة سمتها "مليونية الخلاص"، تيمناً بذكرى ثورة 1920 التي وضعت حداً للاحتلال البريطاني المباشر للعراق آنذاك. ومن يتابع تصريحات بعض المتحدثين باسم اللجنة يجد ملامح كثير من الثقة بأن التظاهرات ستكون شاملة كل محافظات العراق، لكن محللين كثيرين يرون أن هذا الموعد وهذا الحجم الموصوف للمتظاهرين من الصعب تحقيقهما، في ظروف العراق الحالية. ولكن الجميع متفق على أن هناك تظاهرات ستنطلق، وقد يكون تأثيرها مساعداً لرئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، للتخلص من هيمنة الأحزاب السياسية المتنفذة في مجلس النواب العراقي، وبالتالي تمرير القرارات الإصلاحية التي تصطدم بإرادة هذه الأحزاب ونفوذها. والكاظمي أمام محك خطير وشديد الحساسية؛ إنه يمضي حتى الآن بخطوات يمكن وصفها إيجابية، مقارنة بمن سبقوه في المنصب بعد احتلال العراق عام 2003، ولكن لا يمكن أبداً تعبئة كيس ممزّق من أطرافه أو نهاياته. وعلى من يريد أن يحقق التغيير الإيجابي أن يُرقع العيوب الموجودة في البيت السياسي المهيمن على كل شيء في العراق تقريباً، فالعراق الذي اقترض من السعودية ثلاثة مليارات دولار لمعالجة موضوع رواتب الموظفين والمتقاعدين بشكل عاجل، يدفع لأكثر من 250 ألف شخص يستلمون أكثر من راتب مبالغ سنوية تتجاوز 18 مليار دولار، بحسب عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، جمال كوجر. ويدفع أضعاف مبلغ القرض السعودي للسجناء (السياسيين) ومعتقلي رفحاء، بحسب القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية، النائب السابق مشعان الجبوري.
من حُسن التصرف أن يُرسل رئيس مجلس الوزراء العراقي وزير ماليته، علي عبد الأمير 
علاوي، إلى بعض دول الخليج طلباً للقروض، أو اقتراحاً بتأجيل ديون مستحقة على العراق أو إلغائها؛ حيث اقترح تأجيل الكويت نحو ثلاثة مليارات دولار مستحقة للعراق على تعويضات حرب الخليج 1990-1991 أو إلغاءها، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، في 26 مايو/ أيار، ولكن يبقى نزيف العراق مستمراً في ظل فلتان اقتصادي ومالي لا يمكن تشبيهه بأية حالة تاريخية في العالم، مع مزيد من التراجع في كل أشكال الحياة الصحية والتعليمية والأمنية والاجتماعية.
ويعتقد كثيرون من المهتمين بالملف العراقي أن الكاظمي لا يملك فرص نجاح كثيرة في التغيير في البلاد، وهو أمام خيار واحد، فيه ما فيه من الخطورة، لكنه يبقى الأوحد تقريباً في هذه الظروف. ويشير هذا الاعتقاد إلى ضرورة لجوء رئيس مجلس الوزراء إلى الشارع العراقي، من خلال الاعتماد الممنهج على التظاهرات، حيث ستفضي قوة الإرادة الشعبية إلى تراجع (وربما إنهاء) النفوذ الخطير للقوى والأحزاب السياسية مع مليشياتها المسلحة، خصوصاً أن الكاظمي بادر بوضع الضباط الأكفاء، والذين يراهم محسومي الولاء له، ولبرنامجه في التغيير، على رأس الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة، بما يضمن عدم التعرّض للمتظاهرين السلميين في قابل التظاهرات، ما يعني في النهاية منح التظاهرات غطاءً أمنياً سيمنح الأمان لملايين العراقيين للمشاركة فيها.

دلالات