19 يناير 2026
التطبيع مع الألم
دموع على شهداء في قصف مدرسة في غزة (يوليو/2014/Getty)
الاعتراف بالعجز فضيلة. لذلك، لا أنكر أنني، وبأنانية مطلقة، ينتابني الخجل حين الاعتراف بها إزاء حرقة قلب أم غزيةٍ ثكلى، لن تعوضها كلمات الدنيا عن طلة ابنها العشريني الذي قضى غيلة، وخشيةً على نفسي من مواجهة تلك الأهوال التي أدرك أنها سوف تفسد عليّ تفاصيل حياتي، فلا أتمكن من مزاولتها بشكل طبيعي، مثل أي كائن وجد على هذه البسيطة، لم يبتله الله بأن يكون جزءاً من هذا الزمن العربي، الغارق في المرارة والبؤس. وبشكلٍ غريزيٍّ لا شعوري، أغلق عيني نصف إغماضةٍ، حين أتعثر بصور أشلاء الضحايا من صغار غزة الأبية الذين اقتنصتهم آلة القتل الصهيونية الوحشية المجرمة. نعم أريد أن أطل على كل المستجدات، أن لا يفوتني أي نبأ عاجل، أن أفرح لمنجزات المقاومة البطولية في غزة الجرح والصمود، غير أنني، في الوقت ذاته، أحاول أن أتحاشى لقطات الرعب والدم المسفوح والتنكيل، أن لا ألمّ بكل التفاصيل الصادمة، أن ألوذ بروحي من كل ذلك القبح الذي يحصل برعاية كونية غاشمةٍ، مضادة لكل ما هو إنساني، منحازة، بلا خجل وبدم بارد، للمعتدي والسارق والمغتصب والقاتل.
مشاهد تدمي القلب، وتهز أركان الروح، وتقهر الجملة العصبية برمتها، وتضعنا، مباشرة وبكل قسوة، أمام حقيقة عجزنا، أفراداً، عن إحداث أي تغيير في ظل واقعنا السياسي العربي البائس، الغارق في الظلمات، حيث استقر زعماء الأمة المبتلاة! في مكانهم المخجل الدائم بين صفوف المتفرجين، منذ زمن طويل، وقد هدأت مخاوفهم على كراسيهم الواهية المثبتة بالدم والعار، واهمين أنهم تمكنوا من كبح جماح توق شعوبهم إلى الحرية، بعدما قتلوا وهجروا واعتقلوا الأحرار، رجالاً ونساءً، من حملة مشاعل الحق التي لا تنطفئ، وإن خبت إلى حين، من دون أن ينسوا، في الأثناء، التزود بكل مفردات الشجب والاستنكار المبتذلة، إضافة إلى تبني المبادرات المشبوهة التي تساوي بين الجاني والضحية، وتطلب من الطرفين، في مفارقةٍ مضحكةٍ، ضبط النفس وحقن الدماء!
مشاهد تدمي القلب، وتهز أركان الروح، وتقهر الجملة العصبية برمتها، وتضعنا، مباشرة وبكل قسوة، أمام حقيقة عجزنا، أفراداً، عن إحداث أي تغيير في ظل واقعنا السياسي العربي البائس، الغارق في الظلمات، حيث استقر زعماء الأمة المبتلاة! في مكانهم المخجل الدائم بين صفوف المتفرجين، منذ زمن طويل، وقد هدأت مخاوفهم على كراسيهم الواهية المثبتة بالدم والعار، واهمين أنهم تمكنوا من كبح جماح توق شعوبهم إلى الحرية، بعدما قتلوا وهجروا واعتقلوا الأحرار، رجالاً ونساءً، من حملة مشاعل الحق التي لا تنطفئ، وإن خبت إلى حين، من دون أن ينسوا، في الأثناء، التزود بكل مفردات الشجب والاستنكار المبتذلة، إضافة إلى تبني المبادرات المشبوهة التي تساوي بين الجاني والضحية، وتطلب من الطرفين، في مفارقةٍ مضحكةٍ، ضبط النفس وحقن الدماء!
أحاول أن أفهم مبررات اعتراض الكثيرين على بث تلك الصور المروعة، في المحطات الإخبارية، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، تحت عنوان الحرص على حرمة الموت ومهابته، والحفاظ على خصوصية الشهداء! وكأن خصوصيتهم لم تنتهك في أزقة غزة وشوارعها، وكأن أرواحهم الحرة لم تزهق عنوةً، وكأن أجسادهم الثمينة لم تقطع أشلاء، وكأن إخفاء مثل تلك الصور يلغي حقيقة حدوثها، على مدار الساعة في فضاء غزة المفتوح على الحزن والظلم والغدر وخيبة الأمل.
من المؤكد أن تلك المشاهد غاية في الصعوبة، ولا سيما على الصغار، وسوف تؤثر على تكوينهم النفسي بشكل كبير، غير أنها كفيلة بتحديد هوية عدوهم الحقيقي الذي التبس عليهم، بسبب واقعنا السياسي الملتبس والخيار الأول، على فرض امتلاك ترف الخيار لأيٍّ منا، هو أن لا يعذب روحه، برؤية تلك الفظاعات التي تبث لحظات الموت حية على الهواء مباشرة! لكنه خيارٌ لا يخلو من أنانية وإنكار وتهربٍ، لن يغير من واقع الأمر شيئاً.
قدرك أيها العربي أن تطّبع مع الألم: هذا درسٌ، ينبغي أن تكون قد حفظته جيداً، على أن لا تغفل، أو تسد طاقة الأمل، دعها تنمو كبرعم بنفسجٍ، قابل للتفتح، على الرغم من هذا القحط العربي المشين.