التطبيع على الطريقة الحديثة

14 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

وقف ترامب في صحن الدار مناديًا على المنامة، فلمّا جاءت قال بصوت يجمع بين الحنو والتلسط: أريدك لنتنياهو. 

خفضت المنامة رأسها ونظرت إلى الأرض، تحاول أن تخفي ضحكة خجلى، قبل أن ترد: أنا بنتك وهو ابنك والكلمة كلمتك يا أبا الكل.

طار الخبر السعيد بأسرع مما رفعت المنامة رأسها. وهناك في القاهرة، وزّع السيسي شربات الفرح، فيما أطلق بن سلمان عشرين طلقة في هواء الرياض، ورقصت أبو ظبي حتى سقطت من النشوة، والسعادة بلحاق أختها بها إلى هذا العالم المثير، الذي جربت دخوله قبلها بقليل.

يتحدّثون هذه الأيام بمنتهى الجدّية حول: متى يأتي دور السعودية، على اعتبار أن تلك هي الثمرة الكبرى التي يتطلع نتنياهو لسقوطها في حجره، غير أن الواقع غير ذلك تمامًا، إذ ما كان يمكن أن تفعلها أبو ظبي والمنامة لولا أن الرياض في طريقها لفعلها، أو ربما فعلتها سرّا، فهكذا تحدث المناسبات الكبري، يتم إرسال الصغار إلى الحفل مبكرًا، حتى يستكمل الكبار زينتهم ويطمئنون على أناقتهم، ثم يفاجئون الحضور بإطلالةٍ خاطفةٍ للأبصار، ثم يأخذون مقاعدهم في صدارة المنصة الرئيسية.

 قبل نحو ثلاث سنوات، وعندما ظهر وزير خارجية عبد الفتاح السيسي يتنقل بحرية ورشاقة من غرفةٍ إلى أخرى في منزل سارة نتنياهو وزوجها، ويتناول العشاء ثم يمسك بالريموت كونترول ليضبط التلفاز على مباراة نهائي الأمم الأوروبية، قلت وقتها إنه لن يمر وقت طويل حتى نرى سامح شكري يصطحب الثلاثة، السعودي والإماراتي والبحريني، زملاءه في شلة حصار قطر  لمشاهدة النهائي القادم في بيت سارة ونتنياهو.

لكن الثلاثي كان أسرع من التوقّع، بل أنهم لم يعودوا بحاجة إلى سامح شكري، أو عبد الفتاح السيسي، ليدلّهم على الطريق، فقد عرفوا السكة، وصارت المسافة بينهم وبين الصهيوني أقرب من المسافة بين الأخير والقاهرة، كما أنهم لم يعودوا بحاجةٍ إلى تبرير أو تعليل، إذ قطعوا شوطًا أبعد على درب البجاحة، بحيث صاروا يتهمون غير المطبعين، وغير المتصهينين بالتخلف والجمود، وربما الإرهاب، وكما علقت فور إشهار عقد العلاقة بين المنامة ونتنياهو، فإن الرعيل الأول من المطبّعين كان يفعلها سرًا واضطرارًا، أما المطبّعون الجدد، أبو ظبي والمنامة، فلا يطيقون الإنتظار حتى يغلق عليهم باب واحد مع الصهاينة.. يفعلونها في المصعد وفي الشرفات، وتحت الأضواء الكاشفة.

انتهى زمن الهرولة، وصار الذهاب إلى فراش التطبيع زحفًا على البطون والوجوه، وصرنا بصدد "معاهرات" لا معاهدات سلام، بعد أن دخلنا مرحلة التطبيع على الطريقة الحديثة، ومن لم يرفض يتم تصنيفه غريبًا ومتخلفًا عن العصر، ومفرداته وقيمه.

لم أستطع أن أمنع نفسي، وأنا أتابع مشاهد الفُجر في التطبيع الإماراتي الصهيوني، من التفكير فيما جرى مع الذات العربية طوال سنوات مضت، من حصص إجبارية وتدريبات عنيفة على التعايش والرضوخ لأفكار غريبة عن المجتمع، مثل المثلية الجنسية، وإقامة الاحتفالات الصاخبة بأول زيجة من هذا النوع، وأول عملية حمل وتخصيب، وأول عملية ولادة .. كان ذلك كله يدور بموازاة مشروع آخر ينطلق من فكرة إسقاط القداسة عن كل مقدّس، فالمسجد الأقصى لا قيمة له، بل مكانه ليس فلسطين، تبعًا لحواديت يوسف زيدان، المدعومة سعوديًا وإماراتيًا ومصريًا.

هل كان من الممكن أن يقع فعل التطبيع بهذه الفجاجة والوقاحة، لو لم يتم التمهيد بمحاولات فرض التطبيع مع المثلية والإلحاد والإجتراء على الثابت والمقدّس؟

في البدء، اشتغلوا على تدمير الذات، مستهدفين الشعب العربي بمسرطنات الوعي والوجدان، غير أن الشعب أظهر صلابةً وأصالةً ونبلًا تألقت في اندلاع موجات الإدانة والتبرؤ من عار الحكومات التي جثت على ركبتيها أمام تل أبيب، لتصبح فلسطين قضية الشعوب الحرّة،  لا قضية أنظمة متواطئة عليها، وهذا بحد ذاته إيجابي، ويدعو إلي التفاؤل.

عرفت الشعوب أن أعداءها ليسوا فقط أولئك الذين يستعمرون فلسطين، بل معهم وربما قبلهم هؤلاء الذين يستوطنون قصر الحكم اغتصابًا وإجبارًا. وبالتالي، كل هذا العار سينهار لو استعاد الشعب العربي ربيعه وانتفض في وجه الاحتلالين: الإستبداد مغتصب الحكم والصهيوني مغتصب الأرض.