التطبيع... النخوة ليس لها دكان

06 مايو 2020
الصورة
من تظاهرة ضد التطبيع و"صفقة القرن" في تونس (Getty)
وصلنا الآن إلى أخطر مرحلة من مراحل التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، تطبيع ناعم يستهدف الإنسان العربي، بدلاً من مسارات التطبيع السالفة التي كانت تستهدف الدول والأنظمة، تطبيع يدخل البيت العربي من باب الفن والديانات التي يتوجب احترامها ولا شك، ومسلسل "أم هارون" نموذجاً، لكن هدفه هو فتح نافذة بحجم باب لتَقَبُّل إسرائيل كواقع في قلب الجسم العربي. في الواقع يطرح هذا التطبيع، وبالأحرى الداعون له والداعمون والمتحمسون له والمنخرطون فيه، مشكلتين: الأولى أن دول التطبيع الناعم نفسها تهرول للتطبيع مع الكيان الصهيوني، الذي لا تتقاسم معه أي شيء، تحت مبررات ناعمة كالتسامح بين الأديان والشعوب، فيما ترفض تطبيع علاقاتها مع دول عربية شقيقة تتقاسم معها العروبة والانتماء والدين والتاريخ والمصير المشترك، مع أنها الأولَى باستبعاد خطاب الكراهية ضدها، كما أن هذه الدول تغوص عميقاً في تدبير تدمير دول أخرى كاليمن وليبيا وغيرهما.

المشكلة الثانية أن هذا التطبيع يأتي في وقت تتحلل فيه إسرائيل من حل الدولتين حتى تضم القدس وتبتعد بمسافة كبيرة عن المبادرة العربية المنبثقة عن قمة بيروت 2002، التي على هزالها كانت تعرض دولة فلسطينية مقابل السلام الدائم، ومع هذا التنصل الإسرائيلي من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني يصبح التطبيع فكرة عارية من لباس سياسي أو فني، وخطوة مكشوفة لا علاقة لها باحترام الديانات.

اليهودية دين كما الإسلام نعم، لكن الحركة الصهيونية مثل "داعش". ثمة صورة أخرى لـ"أم هارون" التي صورها المسلسل باذخة الطيبة وعزيزة الجيرة، صورة اليهودية الجاحدة للبلد العربي الذي عاشت فيه، بحيث بدت سعيدة حد البكاء لإعلان قيام دولة الكيان الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني بشتاته من أرضه، وبذلك لم تشذ عن يهود الجزائر الذين دفعتهم الحركة الصهيونية إلى أن يختاروا الانضمام إلى المستعمر على حساب حق الجزائريين في بلادهم.

في النهاية، ومثلما لم تنجح كل أشكال التطبيع السالفة في استرضاء الشعوب للقبول بدولة الكيان الصهيوني كأمر واقع، لن ينجح هذا التطبيع الجديد على خطورته، فالأجيال العربية تولد وهي تعرف بالفطرة معنى القضية والمقاومة. فتى صغير من الكشافة الإسلامية الجزائرية كان يشارك في جمبوري (مخيم) عالمي للكشافة في إسبانيا، عندما التقى مجموعة من الكشافين من دول مختلفة صافحهم، وعندما بدأ التعارف وذكرت الهويات اكتشف أن أحدهم من كشافة الكيان الصهيوني، أبدى الطفل انزعاجه وأخذ يمسح يده على فخذه تأففاً من تلك "المصافحة المشؤومة"، لعل المسح يزيل آثارها.

"أم هارون" لم تكن سوى مقدمة من أفكار التطبيع التي ستثار من غبار الصحراء، وحتى عندما يزعم بعضهم أن القضية الفلسطينية ليست قضيته، فهذا صحيح، لأن القضية الفلسطينية والقدس قضية رجال وأجيال، النخوة تولد وليس لها دكان تباع فيه.
تعليق: