التطبيع السريع ومستقبل قناة السويس

14 سبتمبر 2020
الصورة
قناة السويس الأناضول
+ الخط -

مرة أخرى تعود قناة السويس، أهم ممر ملاحي في العالم، إلى دائرة الأضواء والجدل، ويعود معها السؤال مجدداً حول جدوى التوسعات الكبيرة التي تمت في العام 2015 عبر حفر "تفريعة" ضخمة بلغت تكلفتها 8 مليارات دولار، وكانت من أحد أبرز الأسباب التي فتحت الباب لتعويم الجنيه المصري مقابل الدولار، وقبلها حدوث اضطرابات في سوق الصرف الأجنبي، وبعدها توسع الدولة في الاقتراض الخارجي.

العودة هذه المرة جاءت عقب نشر مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تقريراً خطيراً قالت فيه إنه مع انطلاق قطار التطبيع الإماراتي الإسرائيلي فإنه سيتم تنفيذ مشروع ضخم يتم من خلاله نقل النفط الخليجي لأوروبا والخارج عبر دولة الاحتلال الإسرائيلي، وأنه سيتم إعادة احياء خط أنابيب النفط الذي كان الاحتلال ينفذه في السابق كمشروع مشترك سري مع إيران.

وهذا المشروع سيكون منافسا لخط سوميد الذي يتم من خلاله نقل البترول من منطقة الخليج العربي إلى ساحل البحر المتوسط. وهو مملوك للشركة العربية لأنابيب البترول التي تساهم فيها مصر والإمارات والكويت والسعودية وقطر.

ويعمل بالتوازي مع خط الأنابيب الخام الذي تبحث دولة الاحتلال تأسيسه مد أنبوب بمقاس 16 بوصة يحمل المنتجات البترولية مثل البنزين والديزل، وربما يتم لاحقاً سيتم تأسيس مشروع أنبوب ضخم ينقل النفط الإماراتي والسعودي والخليجي إلى أوروبا عبر الأراضي السعودية ثم الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهناك حديث يجرى حالياً عن مشروع إسرائيلي لمد خط سكك حديدية وطريق دولي لنقل الحاويات من الخليج العربي إلى مرفأ حيفا على البحر المتوسط، كبديل لقناة السويس، ومشروع أخر لشق قناة إيلات حتى عسقلان كبديل أقصر من قناة السويس.

ووفق المجلة الأميركية فإن قناة السويس ستكون الخاسر الأكبر من المشروع النفطي الخليجي الإسرائيلي، في ظل وجود منافسة شرسة، خاصة أن المشروع المقترح يوفر بديلاً أرخص لقناة السويس، وأن شبكة خطوط الأنابيب تنقل النفط والغاز ليس فقط إلى المنطقة، ولكن إلى الموانئ البحرية التي تزود العالم.

ونقلت مجلة "فورين بوليسي" الشهيرة عن إيزاك ليفي، الرئيس التنفيذي لشركة خطوط الأنابيب، قوله: إنه يعتقد أن خط الأنابيب، الذي يربط ميناء إيلات، جنوب فلسطين المحتلة، بمحطة ناقلات في عسقلان على ساحل البحر الأبيض المتوسط، يمكن أن يقضي على حصة كبيرة من شحنات النفط التي تتدفق الآن عبر قناة السويس.

ويضيف ليفي أن هدفه هو أن يستحوذ خط الأنابيب الجديد الذي يتم برعاية إسرائيلية على ما بين 12 و17 في المائة من تجارة النفط التي تستخدم الآن قناة السويس، وهي نفس النسبة التي تمر عبر القناة المصرية.

خبراء مصريون سارعوا وقللوا من أهمية إحياء خط أنابيب إيلات عسقلان، مؤكدين أن هذا المشروع تبينت استحالة تنفيذه وعدم جدواه لأسباب فنية، منها أن المنطقة صخرية وسيكون الحفر فيها مكلفاً جداً، وأن القناة الإسرائيلية، في حال تنفيذها، ستسمح بالكاد بعبور سفن بحمولة 40 ألف طن وبرسوم أعلى من قناة السويس، وهو ما يجعلها غير محبذة لدى سفن النفط والغاز الخليجية العملاقة.

لكن ماذا عن المشروعات الأخرى الخليجية الإسرائيلية التي سيتم تدشينها عقب التوقيع على اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي اليوم في واشنطن ويتم من خلالها نقل النفط الخليجي لأسواق العالم، وهي المهمة التي تقم بها قناة السويس؟

ورغم تقليل البعض في مصر من المشروعات الإسرائيلية التي تم طرحها في السنوات الماضية والمنافسة لقناة السويس، إلا أن الخطر يظل قائما مع تسارع وتيرة التطبيع الخليجي الإسرائيلي، وإمكانية نقل النفط الخليجي لأوروبا مستقبلاً عبر أنبوب يمر عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإمكانية الاستفادة من المال الإماراتي الضخم في تمويل مشروع منافس لقناة السويس.

وبعيداً عن التحدي الجديد الممثل في تداعيات التطبيع الخليجي الإسرائيلي الخطيرة على قناة السويس، فإن القناة، التي تعد واحدة من أبرز مصادر النقد الأجنبي في مصر حيث تدر على البلاد ما يزيد عن 5 مليارات دولار سنوياً، تواجه تحديات أخرى، منها ما هو ناتج عن تفشي وباء كورونا حول العالم، وما فرضته الجائحة من تراجع في حركة التجارة الدولية وأنشطة الصادرات النفطية والسلعية، خاصة الصينية، المتجهة إلى أسواق أوروبا وأميركا.

وقبلها مباشرة تحدي تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية على خلفية الحرب السعرية الشرسة بين السعودية وروسيا، وما فرضه هذا التحدي من تحول في مسار شاحنات النفط والغاز الخليجية الضخمة وتفضيلها ممر رأس الرجاء الصالح على قناة السويس توفيراً للنفقات.

وقبلها ما تردد عن اكتشاف طريق تجاري جديد بالدائرة القطبية الشمالية قيل إنه سيفتح طريقاً أقصر إلى شمال روسيا يوقف مرور 90% من التجارة الدولية من قناة السويس.

إزاء هذه التحديات وغيرها، فإن على صانع القرار في مصر أن يعمل وبشكل سريع على جعل قناة السويس ممراً منافساً للمشروعات الجديدة عبر تقديم خدمات لوجستية للسفن المارة من وقود وتموين وقطع غيار وصيانة ومناطق تخزين وفنادق ومشروعات استثمارية وصناعية وخدمية وغيرها، وأن تتحول منطقة القناة إلى منطقة تجارة حرة بها صناعات تصديرية متعددة.

المساهمون