التطبيع الإماراتي وشعار" يا وحدنا"

28 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

فجر إعلان التطبيع الإماراتي مع إسرائيل براكين من الغضب والاستياء الفلسطيني والعربي، على الرغم من خلوه من جديد، إذ علمنا جميعا بهذا التطبيع قبل الإعلان الرسمي عنه. كما لم يقدّم الإعلان جديدا في ما يخص كيفية متاجرة النظام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، من قتل السوريين باسمها إلى التطبيع مع دولة الكيان باسمها أيضا. أو حتى بما يخص موقف الجسم السياسي الفلسطيني، فلا تغيير يذكر في البرنامج السياسي أو في الهيكلية التنظيمية والقيادية الفلسطينية، أو حتى في الخطاب الإعلامي، فما قبل الإعلان تماما كما بعده، على جميع المستويات الرسمية العربية والفلسطينية، وربما الدولية.

كما حافظت الشعوب العربية على موقفها المبدئي من فلسطين قبل الإعلان وبعده، من إدلب المحاصرة إلى التجمّعات الثقافية السياسية والثقافية العربية مروراً بـ"خليجيون ضد التطبيع". وهو ما يؤشّر إلى أحد أهم مظاهر الخلل الرسمي والفصائلي الفلسطيني، المتمثل في شعار" يا وحدنا"، فقد عبّر الشعار، حين طرح عن حالة ملموسة فلسطينية، تتمثل في غياب (أو على الأقل في محدودية) الإرادة الرسمية العربية لتحرير فلسطين. بل عبر أيضا عن تماه رسمي عربي مع سياسات صهيونية تقوض القدرة والإمكانات الفلسطينية التحرّرية، ونوعا ما المجتمعية. وهو ما كان يتطلب حماية حركة التحرر الفلسطينية من تدخلات النظام الرسمي العربي، عبر الابتعاد عنه من ناحية، وتعزيز دور القوى الحاضنة لقضيتنا العادلة ولحقوقنا المشروعة من ناحية ثانية، كالحق في النضال والمقاومة، بغض النظر عن شكل الممارسة في كل مرحلة ومكان.

استسلم الجسم السياسي الفلسطيني للعبة النظام الرسمي العربي، معوّلاً على مكاسب فردية خدمية ومالية وإعلامية

إذاً كان على شعار" يا وحدنا" أن يعبر عن مرحلة فلسطينية وعربية جديدة، تتمثل في تعزيز البعد والدور الشعبي العربي في حماية القضية الفلسطينية وحركة التحرّر العربية والفلسطينية، من تدخلات النظام الرسمي العربي، إلا أن مصالح قيادات الجسم السياسي الفلسطيني قد دفعتهم نحو التمسّك بالشعار نفسه ظاهريا، وبنقيضه عمليا. حيث جسد التطبيق مرحلة ارتماء الجسم السياسي الفلسطيني في أحضان النظام الرسمي العربي، وهروبه من حاضنته الشعبية العربية، وهو ما لمسناه في الاحتفال الفلسطيني بأي خطوة رسمية عربية تقدّم ممثلي فلسطين جزءا من النظام الرسمي العربي. ونتيجة انحراف الجسم السياسي الفلسطيني هذا، كان من الطبيعي والحتمي تحوّل قضية فلسطين إلى لعبة في يد النظام الرسمي العربي، عبر تنامي التدخل في تسيير الشؤون الفلسطينية أو زعزعتها، كما عملت مصر وسورية والعراق وليبيا ودول عديدة في الخليج العربي، تاريخيا وحاضراً، بالإضافة إلى تنامي التلاعب الإيراني أيضا في العقد الأخير، وربما العقدين الأخيرين.

استسلم الجسم السياسي الفلسطيني للعبة النظام الرسمي العربي، معوّلا على مكاسب فردية خدمية ومالية وإعلامية، ما ساهم في القضاء على حركة التحرّر العربية والفلسطينية، وتحييد القوى الشعبية الفلسطينية والعربية معا. كما عمل على تعزيز سيطرة النظام الرسمي العربي الداخلية، عبر المتاجرة بالقضية الفلسطينية، لنشهد بناء فرع أمني باسم فلسطين، وقتل مئات المدنيين العرب في سورية والعراق واليمن وغيرها من الدول، بذريعة تحرير القدس، وصولا إلى التطبيع مع دولة الكيان، وربما الإعلان قريبا عن تحالف إماراتي أو ربما خليجي صهيوني استراتيجي أمني واقتصادي وسياسي، تحت الذريعة نفسها؛ مصلحة فلسطين والفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم. من دون أن نغفل عن عديد من مظاهر تجاهل واحتقار النظام الرسمي العربي للجسم السياسي الفلسطيني، على الرغم من لهاثه نحوهم، من اللغة الخطابية الفوقية إلى الإهانة الدبلوماسية، وصولاً إلى تجاهل مطلق، حتى بما يخص فلسطين والفلسطينيين سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وطبعا أمنيا.

ارتمى الجسم السياسي الفلسطيني في أحضان النظام الرسمي العربي، وهرب من حاضنته الشعبية العربية

وهو ما أفقدنا القوة الحقيقية المناصرة لقضيتنا، المتمثلة بنبض الشارع العربي، الذي احتضن القضية طويلا، وكان المناصر الوحيد في المنطقة لشرعية مطالبنا، بل كان العامل الحاسم في إجبار النظام العربي على اتخاذ بعض المواقف الداعمة، ولو ظاهريا لقضيتنا، ومنها المبادرة العربية للسلام التي كانت بمثابة مناورة على الضغط الشعبي، أقرّها النظام العربي في قمة بيروت عام 2002، وسط احتفال رسمي فلسطيني بها، لامتصاص الغضب والنقمة الشعبية العربية على أنظمتها وعلى الصهيونية. أي كانت المبادرة، على الرغم من كل سوئها، نتاج الضغط الشعبي العربي، ولم تكن تعبيراً عنه، بقدر ما كانت مناورة من النظام الرسمي العربي على هذا الضغط والغضب، وكانت هناك حاجة لموافقة رسمية فلسطينية بها، ولاحتفال فلسطيني بها، لتسويقها في الوسط الشعبي العربي، وهو ما حصل مجاناً، فقد حوّل شعار" يا وحدنا"؛ وفق رؤية القيادة الفلسطينية والجسم السياسي الفلسطيني؛ الشعب العربي من نصير إلى متهم مدان حتى تثبت إدانته، وهو ما نلمسه في الموقف من الثورات العربية التي يعتبرها الرئيس محمود عباس بمثابة مؤامرة أميركية من دون خجل، فالشعوب وفق رؤيتهم المضللة مطالبة بإثبات براءتها مسبقا، عبر خضوعها التام والكامل لحكامها أولاً، وعبر ترفعها عن مشكلاتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية ثانياً. أي حكم ذلك الشعار على الشعب العربي وحراكه الاحتجاجي والمطلبي المحق بالإدانة المسبقة، بينما انتصر وتبرأ النظام الرسمي العربي، على الرغم من عمالته وخنوعه ومتاجرته بقضيتنا وبحقوق الشعب العربي أيضاً.

لن ينجح الفلسطينيون في إيجاد حالة عربية وعالمية مناصرة لقضيتهم، إن كنا انتقائيين في رؤيتنا لحقوق الشعوب الأخرى

وعليه، نحصد اليوم النتيجة الحتمية الوحيدة لهذا الشعار البائس، ولتطبيقه الفعلي والعملي على الأرض، فبعد تخلّي القيادة الفلسطينية عن امتدادها الشعبي العربي، وخنوعها المذل للنظام الرسمي العربي، كان متوقعا، في أي لحظة، توالي صفعات النظام الرسمي العربي لهذه القيادة، وتوالي الأحداث والمواقف الرسمية العربية المعبرة عن ثانوية القضية والحقوق الفلسطينية، واستمرار المتاجرة باسم قضيتنا العادلة من جميع اللاعبين الإقليميين، عربا كانوا أم أتراكا أم إيرانيين.

لذا لا تكفي اليوم إدانة التطبيع الإماراتي، أو حتى إدانة جميع مظاهر التطبيع الخليجية والعربية، مهما كان حجمها وطبيعتها وشكلها وسياقها السياسي، بقدر ما نحتاج أيضا تجاوز جميع أخطاء الماضي وخط مسار جديد، يعبّر عنه ببرنامج سياسي واضح الهدف والمسار، ينظم نضالنا المستقبلي، بهدف استعادة جميع حقوقنا المستلبة في العودة وتحرير الأرض؛ كل الأرض الفلسطينية؛ وإقامة الدولة الفلسطينية الواحدة عليها. ومن خلال استعادة حاضنة قضيتنا الشعبية العربية، منها والعالمية، على قاعدة الانتصار لقيم العدالة والحرية والمساواة لجميع الشعوب الحرّة، ولجميع المطالب المحقة عربيا وعالميا، فلن ننجح في إيجاد حالة عربية وعالمية مناصرة لقضيتنا، إن كنا انتقائيين في رؤيتنا لحقوق الشعوب الأخرى، وفي مقدّمتها حق الشعب العربي في الحرية والمساواة والعدالة الكاملة غير المنقوصة.