التضييق على الوافدين بالكويت يُعرّض قطاعات اقتصادية للخطر

10 ابريل 2017
الصورة
التجارة من النشاطات المتضررة (Getty)
انتقل القلق من التضييق على العمالة الوافدة في الكويت، إلى الكثير من المستثمرين والشركات في قطاعات اقتصادية عدة، بعد أن بات خطر الانكماش والركود يلاحق أنشطتهم، بينما كان الخوف من تراجع الظروف المعيشية قاصراً، خلال الفترة الماضية، على العمال الوافدين، بسبب الإجراءات الحكومية التي قلّصت امتيازاتهم، وكذلك مطالب نواب في البرلمان بمزيد من التضييق.
واتخذت الحكومة الكويتية، على مدار أكثر من عام، عدة قرارات تتعلق بخفض بدلات شرائح من العاملين الأجانب، وزيادة رسوم الإقامة والكهرباء والماء والعلاج. غير أن نواباً في مجلس الأمة (البرلمان) ما يزالون ينظرون إلى هذه الإجراءات على أنها غير كافية، مطالبين في مقترحات برلمانية بمزيد من الإجراءات.

لكن ازدياد ما وصفه خبراء بـ"المطالب الشعبوية"، بات ينذر بتعرّض قطاعات اقتصادية مهمة في الكويت للخطر، منها العقارات والسيارات وأنشطة التجزئة والمصارف والكفاءة البشرية، ما يدعو إلى ضرورة كبح إجراءات التضييق غير المبرر ضد الوافدين في البلد النفطي، الذي يسعى إلى تنويع اقتصاده، وذلك حسب مراقبين، بعد أن تسبب انخفاض أسعار النفط عالمياً بأكثر من النصف منذ منتصف 2014 في تراجع موارده المالية، وتسجيل عجز مالي دفعه إلى الاقتراض.
وقدمت صفاء الهاشم، النائبة في مجلس الأمة، عدة اقتراحات تستهدف الوافدين، أبرزها منع صرف الأدوية والعلاجات لهم في المستشفيات الحكومية وإجبارهم على شرائها من الصيدليات الخاصة، وفرض رسوم لاستخدام الطرق السريعة، ورسوم على التحويلات المالية، ومنعهم من استخراج رخص للقيادة (أول مرة) وقصر التراخيص على الخدم والسائقين الخاصين.

ويقول خبراء اقتصاد إن الاقتراحات النيابية والقرارات الحكومية الأخيرة تجاه الوافدين، قد تؤدي إلى هجرة العمالة المدربة من الكويت واتجاهها إلى بلدان خليجية مجاورة.
وتظهر أرقام الهيئة العامة للمعلومات المدنية، بلوغ عدد سكان الكويت، بنهاية العام الماضي 2016، نحو 4.3 ملايين نسمة، بينهم 1.3 مليون مواطن ونحو 3 ملايين وافد.

عقارات بلا سكان

وفي قطاع العقارات، يؤكد ناشطون في القطاع أن العمالة الوافدة تستأجر نحو 90% من العقارات الاستثمارية، مشيرين إلى أن خفض الحكومة بدل الإيجار عن المعلمين الوافدين، فضلا عن القرارات الأخرى التي تسببت في زيادة أعباء المعيشة، تسبب في ترحيل شرائح من الوافدين لعائلاتهم، وحدوث فراغ كبير في الكثير من الشقق الاستثمارية، حيث انخفضت القيمة الإيجارية إلى أكثر من 20%، فيما لا تزال غالب البنايات الجديدة خالية من المستأجرين.

ويقول سعود المقلد، المدير التنفيذي لشركة عذراء العقارية: "أي تضييق جديد على الوافدين سينعكس سلباً على القطاع العقاري الاستثماري، بينما يعاني في الأساس بعد خفض بدلات ورواتب المعلمين الوافدين، وهم الشريحة الأكبر التي تجلب عائلاتها معها، حيث انخفضت القيمة الإيجارية بنسبة كبيرة للشقق السكنية، كما أن رفع أسعار الماء والكهرباء قد أثر أيضاً على هذا القطاع المنهك بفعل استهداف أكبر المستخدمين له".
ويبلغ عدد المعلمين الوافدين، الذين يتقاضون بدلات السكن، ما يقارب 40 ألف معلم، وتتراوح رواتبهم، من دون احتساب مبلغ بدل السكن، ما بين 420 ديناراً (1400 دولار) و460 ديناراً (1600 دولار)، فيما يتقاضى المعلمون الكويتيون ما يصل إلى ضعفي هذا الراتب، حسب اختلاف التخصصات والمراحل العمرية للتدريس.

ويضيف المقلد، في تصريح لـ "العربي الجديد": "الكثير من مشاريع التطوير العقاري في العاصمة الكويت توقفت أو انسحب منها المطورون بسبب خوفهم من الركود الحاصل في السوق، كل هذا والقرارات التي يقترحها النواب لم تطبق، فما بالك لو جرى تطبيقها".
وكانت وزارة التربية قد قررت، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، خفض بدل الإيجار الذي يتقاضاه المعلمون الوافدون من 150 ديناراً (490 دولاراً) إلى 60 ديناراً (200 دولار)، وهو إجراء واجه انتقادات حادة آنذاك، لتسببه في موجة نزوح كبيرة من الشقق ذات المستوى المتوسط في البلاد أدت إلى تأثر القطاع العقاري الاستثماري.
وبحسب تقرير أصدره بنك بيت التمويل الكويتي مؤخراً، فإن قيمة التداولات العقارية انخفضت على أساس سنوي، في فبراير/شباط 2017، بنسبة 39%.

انهيار في المطاعم

ولم يعد القلق يخص المستثمرين في القطاع العقاري، وإنما طاول أيضا قطاع المطاعم، الذي يبلغ ناتجه الإجمالي سنوياً أكثر من 3 مليارات دولار، إذ يعتمد القطاع بشكل شبه كلي على خدمات توصيل الطلبات، التي يعمل بها السائقون الوافدون.
كما سيتعرض قطاع خدمات توصيل المطاعم إلى أضرار أيضاً، حيث تستثمر شركات أجنبية كبرى في أكبر موقعين لتوصيل طلبات المطاعم في الكويت، وهما "طلبات" و" كاريدج"، حيث تبلغ القيمة السوقية لكليهما أكثر من ملياري دولار.

ويقول سالم العتيقي، وهو مالك سلسلة مطاعم ناشئة: "أعتقد أن الاقتراحات المقدمة للبرلمان ضد الوافدين هي لدغدغة المشاعر فحسب، إذ لا يمكن منع الناس من قيادة السيارات لأنه عمل غير أخلاقي أولاً، كما أنه يعرّض الأعمال التجارية للشلل".
ويضيف العتيقي لـ "العربي الجديد": "أملك عدة مطاعم، وقيادة عمالي للسيارات مهمة جداً، حيث إن هذه الخدمات اللوجيستية هي شريان العمل في قطاع المطاعم، خصوصاً فيما يتعلق بجلب اللحوم والخضار والمواد الغذائية الأخرى الطازجة كل يوم، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن إيصال الطلبات لبيوت الزبائن أمر يعتمد عليه الجزء الأكبر من ملاك هذه المطاعم، والعمال في هذا القطاع متغيرون، فالسائق في المطعم يتغير كل 6 أشهر، لأنها وظيفة مؤقتة بالنسبة للوافدين، فإيقاف الرخص عن الجدد منهم يعني أننا سنعاني بشكل كبير".

ويبلغ عدد السيارات في الكويت، بحسب الإدارة العامة للتخطيط والإحصاء، نحو 1.92 مليون مركبة، أغلبها عائد للوافدين، وتصدر الحكومة الكويتية سنوياً 85 ألف رخصة قيادة، 70% منها للوافدين و30 % للمواطنين.

ركود كبير في السيارات

وفي حال تم أخذ اقتراح النائبة صفاء الهاشم، بمنع إصدار تراخيص قيادة للوافدين في الاعتبار، فإن قطاع السيارات الجديدة والمستعملة سيشهد ركوداً كبيراً.
وعلى صعيد قطاع السيارات المستعملة وقطع غيارها، فإن القطاع بأكمله معرّض للانهيار، وفق عاملين في القطاع، مشيرين إلى أن القطاع تعرّض لأزمة عندما قررت الحكومة رفع الدعم جزئياً عن الوقود في أغسطس/آب 2016، حيث انخفضت نسبة المبيعات بنسبة كبيرة.

ويقول تيمور علي، وهو بائع سيارات مستعملة لـ "العربي الجديد" إن المبيعات انخفضت بأكثر من 30% في أواخر العام الماضي، بسبب رفع أسعار الوقود، لكنها تعافت بحلول العام الجاري، لكن الخوف ما يزال يتملك العاملين في القطاع من أن يكون موسم بيع السيارات المستعملة أواخر الصيف هذه السنة غير نشط.
ويعد وقت نهاية العطلة الصيفية وبداية المدارس في أوائل سبتمبر/أيلول أكثر المواسم بيعاً للسيارات، وذلك بسبب عودة الوافدين من بلدانهم إلى الكويت مرة أخرى.

لكن التضييق على الوافدين أدى إلى نزوح الآلاف منهم إلى بلدان مجاورة أو العودة إلى موطنهم الأصلي، ما تسبب في وفرة كبيرة في معروض السيارات المستعملة في السوق.
ويقول بائع السيارات المستعملة إن أي تضييق قادم على الوافدين، خصوصاً موظفي الحكومة، يعني أن الوافد سيتوقف عن استعمال السيارة ويستعيض عنها بالركوب مع صديقه أو بالذهاب إلى محطة نقل الحافلات.
وتعاني الكويت بالأساس من سوء خدمات النقل الجماعي، في ظل عدم وجود شبكة باصات منظمة، ويقدّر عدد مستخدمي قطاع النقل العام في الكويت 80 ألف شخص سنوياً، وهو عدد ضئيل جداً مقارنة بعدد السكان.

تهريب الأموال

وامتدت مطالب النواب في البرلمان إلى فرض رسوم على تحويلات الوافدين السنوية، ما دعا خبراء ومصرفيين إلى التحذير من أن هذه الخطوة ستتسبب في ظهور سوق سوداء للتحويل الخارجي، قد تضر العملة الكويتية، كما أنها قد تكون مجالاً خصباً لغسيل الأموال وتهريبها خارج البلاد.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي التحويلات النقدية الصادرة من الكويت للخارج بلغت نحو 18.1 مليار دولار بنهاية 2016، لتحتل الكويت المركز الثالث خليجياً والمركز السابع عالمياً على قائمة التحويلات الصادرة منها، وفق تقرير أصدره البنك الدولي.

ووفق مقترح ضريبة التحويلات المالية الذي تم تقديمه إلى البرلمان قبل نحو شهرين، فإنه يتم فرض رسوم على كل من يقوم بتحويل مبالغ مالية خارج حدود الكويت، على أن يذهب ريعها مباشرة لخزينة الدولة.
ويتدرج فرض الضريبة بواقع 2% لما دون الـ 100 دينار (328 دولاراً)، و4% للمبالغ من 100 حتى 499 ديناراً، و5% للمبالغ الأعلى من 500 دينار (1641 دولاراً).
وبحسب المقترح، يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 6 أشهر أو غرامة لا تتجاوز 10 آلاف دينار (33.2 ألف دولار) كل من لا يطبق القانون.

ويقول سلطان العجمي، الخبير الاقتصادي إن "سلسلة الاقتراحات الشعبوية والقرارات الحكومية المتسرعة تجاه الوافدين تعد خطأً اقتصاديا كبيرا يتضخم يوماً بعد يوم".
ويضيف العجمي: "سنصحو ذات يوم من النوم ونجد البلاد خالية من العمال، لأنه بكل بساطة إذا كان الوافد يدفع رسوماً للعلاج والإقامة أكثر من التي يجنيها، فإنه سيغادر البلاد، لأن بقاءه يعود عليه بالخسارة".
ويتابع: "على عكس ما يشاع حالياً، فإن مشاريع الكويت بحاجة إلى مزيد من العمال والمعلمين والخبراء الوافدين في كافة القطاعات، وهناك غضب يسري بين مدراء شركات المقاولات المتوسطة، التي لا تستطيع جلب المزيد من العمال والمهندسين لاستكمال مشاريعها، بسبب القيود والإجراءات والرسوم الباهظة التي تفرضها الحكومة على جلب الوافدين".

وأعلنت وزارة الصحة، في يناير/كانون الثاني الماضي، زيادة أسعار الخدمات الصحية للزائرين، فضلا عن اعتزامها تطبيق نظام جديد للرعاية الصحية يقضي بعلاج الوافدين في مستشفيات غير حكومية، تعمل بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويتم من خلالها زيادة الرسوم السنوية للخدمات الصحية للوافدين بنسبة تصل إلى 200% عن المعدلات المعمول بها حالياً.