التصهين العربي ليس جديداً

08 اغسطس 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -


مع العدوان الصهيوني على غزة، تجاوزت الأنظمة العربية مسألة التطبيع مع العدو الصهيوني، لتدخل في مرحلة ما بعده، وهي مرحلة التصهين، التي بدت معالمها، صراحة، في ظل هذا العدوان الكاشف للشرخ العميق جداً في الهوية السياسية للأنظمة العربية. وبات واضحاً أن مصطلح التصهين سيستقر في الأدبيات السياسية الحديثة، بعد هذا العدوان، ليحل محل التطبيع، الذي تجاوزه الزمن، ولكن هذا التصهين لم ينشئه العدوان، بل كشف عنه فقط، وإن كان لم يبدأ في الظهور صراحة، إلا أنه قديم. وبتأمل مسارات هذا الصراع، الذي انتقل من حلقة إلى أخرى، ليستقر على ما هو عليه، يمكن القول إن التصهين العربي كان دفيناً مع مدعي القوامة على إدارة الصراع العربي الصهيوني، منذ بدايته، وليس الآن كما يعتقد بعضهم، فالتصهين العربي حديث الساعة، لا يعني سوى المشاركة صراحة، في تمكين المشروع الصهيوني من البقاء، ومنح دولته شرعية الوجود على الأرض العربية المحتلة، بالسلام المزعوم أو حتى بالحرب!

إدارة الصراع العربي الصهيوني، منذ قيامه، تدل على وجود خميرة هذا التصهين، وإن كانت في طور التكوين، ولم تتضح معالمها بعد، فبعد تجاوز الصراع الوجودي المرتبط بالهوية العربية والإسلامية، التي غُبِنَت بإنهاء وجود فرق المتطوعين للدفاع عن فلسطين، والاكتفاء بالاعتماد على الجيوش النظامية فقط، فدخلت، أو أدخلت في حلقة الصراع السياسي الجغرافي بين أنظمة الدول العربية المتفرقة.

إذا ما قسمنا تاريخ الصراع إلى حلقات ثلاث، وتأملنا كيف تمت إدارة الصراع في كل حلقة منها، نجد أن التصهين ليس معناه "فقط" تأييد كيان الصهاينة المغتصب لأرض فلسطين، بل يتجاوز ذلك في خدمة المشروع الصهيوني، وخدمة وجوده سياسياً وعسكرياً. ولو كان الفضاء الإعلامي أكثر سخونة، وهذا ما كان في حلقة الصراع الأولى، التي مثلها النظام الناصري، الذي استقر في وجدان الشعوب العربية، من خلال الخطاب الإعلامي الساخن، أنه العدو الاول لدولة الكيان الصهيوني، على الرغم من أن النظام الناصري لم يكن يدافع إلا عن وجوده هو، وفي حدوده القطرية المرتبطة به فقط، وهذا ما ثبت من شهادات رجال النظام نفسه، وفي مقدمتهم حسن التهامي، الذي كان مدير مكتب معلومات عبد الناصر، ونائب رئيس الوزراء في عهد السادات، الذي تمت في عهده معاهدة السلام، التي قلبت إدارة الصراع رأساً على عقب، وأدخلته في حلقة جديدة تختلف جذرياً عن سابقاتها. وما ينطبق على مصر، ينطبق على كل دول جوار الكيان الصهيوني، في سورية والأردن ولبنان، التي لم تنج من فيروس القُطرية التفتيتية، الذي تسلل إلى شرايين الصراع، فأفسده وخدم مشروع التصهين.

والحلقة الثانية مثّلها عصر أنور السادات في مصر، وارتكزت معاهدة سلامها مع الكيان على الأرض مقابل السلام، والأرض لم تكن إلا سيناء فقط، وما كان هذا إلا تمكيناً وشرعنة لوجود الكيان الصهيوني، والحقيقة أن اقتصار مباحثات الأرض في مقابل السلام، على ما احتل في 1967، حتى ولو لم تقبل بالمعاهدة المصرية المنفردة، في ذلك الوقت، باقي دول الجوار، التي اصطفت في مواجهة سلام السادات، أو استسلامه، إلا أن الصراع بقي على ما هو عليه من الناحيتين، سواء ممن دخل في عملية السلام الساداتية، أو من خرج منها "ممانعاً". كان هذا يمثل التمكين والترسيخ الأقوى لشرعنة وجود دولة الاحتلال، ولو على الأرض التي أقيمت عليها في أول عمرها فقط، وإن كان بعضهم يرجئ هذه المرحلة إلى قبول النظام الناصري بمبادرة روجرز عام 1970، وبموجبها كان الإعلان الصريح عن الاعتراف بشرعية وجود إسرائيل.

وفي تطور لاحق، كانت الحلقة الثالثة، مع دخول الصراع مرحلة ما بعد أوسلو، التي دخلت فيها منظمة التحرير الفلسطينية إلى جزء من فلسطين، مقابل الاعتراف بدولة الكيان، والسير في نفق المفاوضات، بمساعدة ومساندة أنظمة عربية مترسخة في التصهين. ونتيجة ذلك، بات حجم الصراع يتضاءل، ومعه عدد الأطراف التي بقيت رافضة إسرائيل، حتى وصلنا إلى حالة مشاركة صريحة من بعضهم مع دولة الكيان الصهيوني في عدوانها على الفلسطينيين.

avata
avata
أحمد قاسم البياهوني (مصر)
أحمد قاسم البياهوني (مصر)