التصنيف الذي عزّز خطاب الكراهية

12 اغسطس 2019
الصورة
باعتباري واحدة من السوريين الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من الشعب السوري، لست سياسية ولا تستهويني السياسة، بل إنني شبه أمية بمفرداتها وأدواتها وأساليبها وألاعيبها، فأنا لم أنتمِ في أي يوم إلى أيّ من الأحزاب السورية بكل أطيافها وتصنيفاتها وبرامجها وأهدافها وشعاراتها ومشاريعها، ولم أكن في يوم ما ناشطة في المجال المدني أو الحقوقي، ولم أتبوأ منصبًا في الدولة. ولكنني كنت أعيش على وقع الحياة في سورية، وأشعر بما يشعر به غالبية السوريين. تضعني مهنتي طبيبة أمام معاناتهم وجهًا لوجه. ليست المعاناة المرضية وحدها، بل ألم الحياة الذي يخترق أرواحهم، هذا الألم الذي يشكونه إلى الطبيب قبل شكواهم الجسدية، وهذه ملاحظة يعرفها أطباء سورية، يعرفون كم يحتاج مريضنا إلى البوح، وليس هناك مستودع أسرار أرحب من صدر الطبيب. وإذ اندلعت الاحتجاجات في مارس/ آذار 2011، فإنها سرعان ما تحوّلت إلى حربٍ جرفت الجميع إلى دوامتها، وأعملت سكّينها في جسد المجتمع السوري، وشرذمت الشعب بطريقة أقل ما يمكن أن توصف بأنها وحشية.
بما أنني أنتمي إلى المهمومين بالكتابة، فإن هذا الهم رماني في قلب الأحداث، فنالني ما نالني من لهيب النيران وشظايا القنابل التي تفجّرت في وعي المجتمع، وفي وجدانه، ولولا أن هذه التجربة التي أتكلم عنها أصبحت ظاهرةً تستحق الوقوف عندها، لما أتيت على ذكرها كتجربة شخصية. منذ البداية، استشعرت، كما استشعر غيري من السوريين، هول الهاوية التي انزلقنا إليها، وهول الكارثة التي ألمّت ببلادنا، وأخطر ما فيها وقد بدأت إرهاصاته باكرًا، دمار المجتمع السوري وتجذّر الانقسامات والتصدّعات في بنيانه، فأصبح واقع الحال الذي آلت إليها الأمور، والانكشاف الصاخب لما هو عليه هذا الواقع من أمراضٍ مستبطنةٍ كفيلةً بأن تعرقل 
تطور المجتمع وتقدمه في طريق مواكبة العصر جديرًا بأن يولى كثيرا من الاهتمام والمتابعة ومحاولات دق نواقيس الخطر، حتى لو كانت أصوات الحرب والمدافع أقوى، على أمل أن يسمع صوت تلك النواقيس في لحظة صمت بين رشقةٍ وأخرى.
الانشغال بالهم العام، وبقضايا المجتمع ومحاولة إنعاش الوعي العام كلما أوشك على الغيبوبة تحت تأثير نزيف الأرواح والضغينة التي توفر لها بسخاء ما يغذّيها، هذا ما شغل شريحة واسعة من المثقفين في سورية، وهذه الشريحة هي التي نالها النصيب الأكبر من الاتهامات والتشهير والشتائم والتخوين، متهمين إياها بالرمادية حينًا وبالتلون حينًا، وبانتظار أن تنجلي الأجواء، فهي تترقب لتعرف إلى أي الضفتين تميل، أو بالأحرى ضفة المنتصر. وهذا مؤشّر يدل على أحد أهم أسباب الخراب الذي لحق بالمجتمع السوري، فكان نتيجة وسببًا في الوقت عينه.
المشكلة الكبرى كانت أن المرحلة طرحت من ضمن ما طرحت على القاعدة الشعبية التحاقًا بنخبها، إلزام الناس بالاصطفاف السياسي، وأن يكونوا مجبرين على خيارين، وكأن لا منقذ لهذا الشعب غير هذا الاصطفاف، موالاة أو معارضة، من دون أن يكون هناك تعريف واضح لمعنى موالاة أو معارضة. لم تكن في سورية، قبل هذه السنوات الحارقة، معارضة سياسية فاعلة بالمعنى الحقيقي للمعارضة، وهذا ليس خافيًا على أحد، ولكن المرحلة أنتجت تجمعاتٍ وفصائل وسياسيين وهيئات نصبت نفسها وصيةً على الحراك الشعبي، ولبست أو ألبسها الإعلام صفة المعارضة. أما الباقي فبات معروفًا على ما أظن للغالبية. أفرزت المرحلة هذين المصطلحين المضللين، لتصنيف مواقف الشعب السوري من الحراك الشعبي أولاً، ومما آلت إليه الأمور أخيرًا، على الرغم من البون الشاسع بين الغايتين أو الهدفين. وما زال تصنيف المواقف والرأي يبنى على أساس هذين المصطلحين المضللين، موالاة ومعارضة، بينما يُنسى الوطن ويُنسى الشعب المتروك للموت وبازارات السياسة. ونسي مثقفون دورهم الحقيقي النزيه من أي اصطفافاتٍ سياسيةٍ أو أيديولوجية أو عقائدية، وراحوا يتراشقون بالنعوت المسيئة، 
وصار تصنيفهم بعضهم بعضا من خلال فاتحة أي مقال أو خطاب، فإذا لم يُشتم النظام في البداية صار الكاتب أو المثقف مواليًا، وحكم عليه بالإقصاء من الكتلة المعارضة وجمهورها. والعكس صحيح، إذا لم يباشر الكاتب، في الضفة المقابلة، باللازمة التي تستدعي نظرية المؤامرة، وأن الحرب في سورية مقدسة، لأنها تحارب الإرهاب، فإنه معارض متحالف مع الفصائل المسلحة التي تدعم الإرهاب، وتنفذ أجندة الأطراف المتآمرة على البلاد، بحسب منطق الموالاة، وضاعت البلاد بين خطابين مشبعين بالكراهية.
سخّر هذا التصنيف الضيق المضلل لخدمة المشروع الأهم، تدمير المجتمع السوري، بأسلحة الحرب الإعلامية والفكرية الأكثر فتكًا، عملت الحرب الإعلامية التي كانت من أدوات الأطراف الضالعة في الحرب السورية على بث الفتنة وتأجيج المشاعر وإثارة الغرائز وإعلاء خطاب الكراهية.
ولكن أخطر دور يلعبه، وأخطر نتيجة تنجم عن خطاب الكراهية، عندما تمارسه النخب في أي مجتمع، النخب في كل مجالاتها من ثقافيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ ورجال دين وغيرهم، فلهؤلاء جمهور من القاعدة الشعبية، ولهم مريدون ومعجبون وأتباعٌ يتلقفون أقوالهم على أنها التعبير الخالص عن التجربة، وأنها الدروس المستخلصة منها، وبالتالي تكتسب صفة المسلمات التي قد تصل إلى حد الحصانة التي يحظى بها المقدّس. صارت نتائج خطاب الكراهية أكبر من أن تحصى على مستوى المجتمعات، وعلى مستوى الشعوب والدول. وصارت قاعدتها تتسع في العالم معزّزة بأحزاب يمينية شعبوية، وبنخب سياسية وثقافية، وأكبر مثال لخطاب الكراهية 
السافر، من دون الحد الأدنى للخجل، خطابات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وتغريداته. الخطاب الذي إذا استمر بهذه الطريقة سوف تكون نتائجه كارثية على البشرية التي لم تعد تنقصها أسباب الدمار والخراب.
أصبح مصطلح "الكراهية" في عصرنا الحالي حقوقيًا، يضم مروحة واسعة من التفصيلات التي تصنف في حقل ممارسة الكراهية تجاه الغير، وإذا كان حق الرأي مصانًا يكفله الدستور والقوانين، فإن التعبير عن الرأي مشروط بعدم المس بكرامة الآخرين، فالخطاب المحمّل بالكراهية يتعارض مع مبادئ العيش المشترك والقيم التي يحتاجها هذا العيش. لذلك فإن الفقرة 2 من المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقول "تُحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تُشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف". وهذا يعني أن القانون يحظر استخدام عباراتٍ فيها إهانة أو تحقير أو عنف تجاه أيٍّ من مكونات مجتمع ما، بناء على لونهم أو عرقهم او انتمائهم الديني أو توجههم الجنسي إلى ما هنالك.
ولا يكفي اجتراع قوانين تحاصر هذا الخطاب وتدينه، على الرغم من أهميته، ولكن الأهم أن تتواكب هذه القوانين مع ثقافة عامة، يؤسس لها منذ الصغر بتناغم بين البيت والمدرسة وجميع المؤسسات التربوية. وبالنسبة لسورية اليوم، صار هذا الخطاب الذي كان يمشي في نسغ المجتمع العميق علنيًا صارخًا، ليس فقط الخطاب اللفظي، بل الأفعال التي تنم عن كراهية تبرّر العنف بين مكونات المجتمع تجاه بعضها بعضا، ويمارسه بعض المثقفين تجاه بعضهم الآخر، فينال المثقف الذي يكتب حول قضايا المجتمع الراهنة والمتأصلة، والتي تعزّزت أكثر بعد الحرب، وهي قضايا حيوية، وتحتاج معالجة حكيمة وجذرية، كي يستطيع المجتمع النهوض، ينال النصيب الأكبر من الهجوم والكراهية، حتى صارت صفحات التواصل الاجتماعي منبرًا مناسبًا لممارسة الكراهية بابتذالٍ رخيص، وصارت مكانًا للشللية القائمة على التصنيف القاصر، موالاة/ معارضة.
تعليق: